البحث عن الاستثمارات الأعلى ربحية والأكثر أماناً يواصل احتلال مساحة واسعة في عالم الأعمال، في ظلّ تقلّبات الأسواق العالمية وارتفاع المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية. وبينما خطف الذهب والعملات المشفّرة مثل "“البيتكوين”" الأضواء في السنوات الماضية، يلمع نجم جديد في سماء الاستثمار: الفضة.

قفزات سعرية غير مسبوقة

اتخذت أسعار الفضة مساراً تصاعدياً قوياً في السنوات الأخيرة، حيث ارتفعت بنسبة 130% خلال ثلاث سنوات، من 19 دولاراً إلى 39 دولاراً للأونصة. وفي العام 2024 وحده، ارتفع سعر الفضة بنسبة 21%، بينما شهد الذهب قفزة أكبر بلغت 43%. ومنذ بداية 2025، سجّلت الفضة ارتفاعاً بنحو 34% لتصل إلى أعلى مستوياتها في 14 عاماً، أي منذ عام 2011، متفوّقة على أداء "“البيتكوين”" ومؤشر S&P 500.

عوامل تدعم الصعود

يدعم هذا الارتفاع المتواصل مجموعة من العوامل الجوهرية، أبرزها:

- الطلب الصناعي المتزايد: خصوصاً من قطاعات التكنولوجيا، الإلكترونيات، البطاريات، والألواح الشمسية، حيث يُستخدم نحو 50% من الفضة عالمياً في الصناعات الثقيلة والتكنولوجيا المتقدمة.

- ضعف الدولار: مما يعزز العوائد من الاستثمار في المعادن.

- تنامي الإقبال الاستثماري: باعتبارها ملاذاً آمناً في ظلّ عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي.

- تراجع المعروض: إذ بلغ إنتاج الفضة عالمياً عام 2024 نحو 820 مليون أونصة مقابل استهلاك وصل إلى 1.22 مليار أونصة، مما يعمّق العجز في السوق.

توقعات مستقبلية متفائلة

رفع بنك إتش إس بي سي توقعاته لأسعار الفضة لعام 2025 وما بعده، متوقعاً استمرار النمو المدفوع بزيادة الطلب على الأصول الآمنة. كما توقّع سيتي غروب أن تتجاوز الفضة مستوى 40 دولاراً للأونصة خلال الأشهر المقبلة مع استمرار ضعف المعروض وتزايد الطلب الصناعي والاستثماري.

يقول الخبير الاقتصادي د. محمد موسى، في حديثه لـ:الصفا نيوز" إنّ "الفضة تشهد اليوم ما يمكن وصفه بمرحلة إعادة اكتشاف لدورها الاقتصادي والاستثماري. العجز الواضح بين العرض والطلب – حيث بلغ الإنتاج العالمي في 2024 نحو 820 مليون أونصة مقابل استهلاك تجاوز 1.22 مليار أونصة – يضع السوق أمام اختلال هيكلي يصب في مصلحة الأسعار. ومع استمرار ضعف الدولار وتزايد استخدام الفضة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة الشمسية والإلكترونيات، نتوقع أن يتجاوز سعرها عتبة الأربعين دولاراً خلال الأشهر الـ 12 المقبلة."

الفضة والذهب: علاقة تنافسية تكاملية

على الرغم من أن الذهب يبقى المقياس الأول للمستثمرين منذ آلاف السنين، فإن الفضة تُعدّ البديل الذكي والأقل تكلفة، خصوصاً في الفترات التي يتعذّر فيها على المستثمرين الأفراد شراء الذهب بكميات كبيرة. ومع ذلك، يبقى أداء الفضة أكثر تذبذباً، إذ تتأثر بشكل أكبر بالطلب الصناعي وبصحة الاقتصاد، وتظهر تحركاتها السعرية بضعفَي أو ثلاثة أضعاف تذبذبات الذهب.

آفاق النصف الثاني من 2025

من المرتقب أن يستمر هذا الزخم في النصف الثاني من العام، مع استمرار الرسوم الجمركية التي تزيد من قلق الأسواق، وارتفاع الطلب على المعادن الثمينة، إلى جانب ضعف الدولار العالمي. كما يتوقع أن تلعب الفضة دوراً أكبر في عصر الثورة الصناعية الرابعة، مع توسع استخداماتها في المجالات الصناعية والتكنولوجية والطبية.

الفضة اليوم ليست مجرد معدن صناعي، بل أداة استثمارية استراتيجية تزداد أهميتها عاماً بعد عام. وبينما تستمر التحديات الاقتصادية العالمية، يبدو أن الفضة تسير بخطى ثابتة نحو تعزيز مكانتها كخيار رابح ضمن المحافظ الاستثمارية المتنوعة، وقد تكون أمام مرحلة جديدة تتجاوز فيها عتبة الأربعين دولاراً للأونصة في أقل من عام.