شهد لبنان خلال العقدين الأخيرين تحوّلًا لافتًا في بنيته الاجتماعية والديموغرافية، كان أبرز مظاهره ارتفاع متوسط عمر الزواج. وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن "الدولية للمعلومات" إلى أن متوسط عمر الزواج لدى الرجال يقترب من 32 عامًا، فيما يشهد عمر الزواج لدى النساء ارتفاعًا ملحوظًا ليبلغ نحو 34 عامًا. وبذلك يسير لبنان في اتجاه واضح نحو تأجيل الزواج مقارنةً بالأجيال السابقة.

أرقام تتغير وسياق واحد واضح

تُظهر تقارير الأمم المتحدة ودائرة الإحصاء المركزي أنَّ متوسط عمر الزواج لدى الرجال يتراوح بين 32 و33 عامًا، بينما تشير آخر البيانات الرسمية الخاصة بالنساء إلى متوسط يقلّ عن 30 عامًا، رغم أن الاتجاهات الميدانية في المدن تُظهر تأخرًا أكبر لدى شريحة واسعة من العاملات والجامعيات. ورغم اختلاف الأرقام باختلاف منهجيات القياس، تبقى النتيجة العامة واحدة: زواج اللبنانيين يتأخر عامًا بعد عام.

تؤكد دراسات محلية وإقليمية ـ مثل إصدارات الإسكوا وتقارير الباحثين الديموغرافيين، أن لبنان يتشارك مع معظم دول المنطقة ظاهرة ارتفاع سنّ الزواج، مدفوعًا بجملة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية العميقة.

الأسباب: بين الاقتصاد والهجرة وتبدّل طموحات الجيل الجديد

الأزمة الاقتصادية: العامل الأبرز

لا يمكن فصل تأخر الزواج عن الأزمة الاقتصادية التي يعيشها لبنان منذ عام 2019. فارتفاع كلفة المعيشة، وصعوبة تأمين سكن مستقل، وغلاء المهور ومستلزمات الزفاف، كلها عوامل دفعت آلاف الشباب إلى تأجيل تكوين أسرة إلى أن يتحقق الحد الأدنى من الاستقرار المالي.

التعليم والعمل وتبدّل أولويات الشباب

يُسهم ارتفاع نسبة الشباب الملتحقين بالتعليم العالي، ولا سيما النساء، تلقائيًا في تأخير قرار الزواج. فسنوات الدراسة الطويلة، والمسار المهني الذي يتطلّب إثبات الذات، يؤجّلان خطوة الارتباط إلى حين يصبح الشريك قادرًا على التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

الهجرة وتأثيرها على "سوق الزواج"

يؤدي انتشار الهجرة بين الشباب والمهنيين إلى خلل ديموغرافي، إذ يغيب جزء من الفئات العمرية الأكثر استعدادًا للزواج عن السوق المحلي، ما يقلل من فرص التعارف والارتباط. هذا العامل أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة.

تحوّل القيم الاجتماعية

لم يعد الزواج بالنسبة إلى جزء كبير من الشباب خطوة مبكرة أو "فرضًا اجتماعيًا". فالميل نحو الاستقلالية، ورغبة الكثيرين في بناء هوية فردية قبل العائلة، إضافة إلى تراجع الضغوط العائلية، كلها عوامل تعيد تشكيل مفهوم الزواج.

الانعكاسات: مجتمع يتغير ببطء ولكن بثبات

تراجع معدلات الخصوبة

يؤدّي تأخر سنّ الزواج مباشرةً إلى تأخر الإنجاب وتقليل عدد الأطفال في كل أسرة، ما قد يغيّر شكل الهرم السكاني على المدى الطويل ويزيد من نسبة السكان في الأعمار المتقدمة.

تحوّل في سوق السكن والاستهلاك

مع تراجع الإقبال على الزواج المبكر، يتغيّر الطلب على السكن، كما تتأثر قطاعات اقتصادية لطالما ارتبطت بالزفاف، من قاعات الأعراس إلى الأثاث وتجهيزات المنازل.

ديناميات أسرية جديدة

يميل المتزوجون في سن متأخرة إلى اعتماد أنماط مختلفة من الشراكة الأسرية، تقوم على تقاسم الأعباء واتخاذ قرارات مشتركة أكثر نضجًا، ما يعيد صياغة دور الرجل والمرأة داخل الأسرة الحديثة.

“الظاهرة ليست أزمة… بل نتيجة لبيئة اقتصادية واجتماعية مضطربة”

يقول الدكتور شوقي عطية، الباحث الديموغرافي، في حديثه لموقع "الصفا نيوز"، إنَّه "استنادًا إلى عدة دراسات أجراها على تكاليف الزواج وتغيّرات السلوك الأسري، فإنَّ تأخر سنّ الزواج في لبنان ليس حالة شاذة، بل امتداد طبيعي لظروف معقّدة تمرّ بها البلاد". ويضيف: "لا يمكن مطالبة الأجيال الشابة بتكوين أسرة في ظل انعدام الأمن الوظيفي وارتفاع تكاليف الحياة. فالمشكلة ليست في تراجع رغبة الشباب بالزواج، بل في غياب بيئة اقتصادية واجتماعية تساعدهم على اتخاذ هذا القرار بثقة".

ويعتبر الخبير أن الحلول تتطلّب سياسات سكنية ميسّرة، وبرامج دعم للعمالة الشابة، وتخفيف التكاليف الاجتماعية المرتبطة بمراسم الزواج، إلى جانب ضرورة تحديث البيانات الديموغرافية بشكل دوري لبناء سياسات أكثر فاعلية.

في المحصّلة، يرتفع متوسط عمر الزواج في لبنان، وهي حقيقة باتت واضحة بالأرقام والاتجاهات. غير أنّ هذا الارتفاع ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو نتاج أزمة اقتصادية طويلة، وهجرة متنامية، وطموحات جديدة لجيل يسعى إلى تأسيس مستقبل أكثر استقرارًا قبل بناء أسرة.

ومع غياب سياسات داعمة، سيظل الزواج – الذي كان يومًا خطوة مبكرة ومسلّمًا بها اجتماعيًا – قرارًا مؤجّلًا لدى آلاف الشباب اللبنانيين.