أطلق لاجئ أفغاني في الولايات المتحدة كان يعمل في أفغانستان مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية النار على عنصرين من الحرس الوطني لولاية وست فرجينيا، فقتل واحداً وأصاب الآخر بجروح خطرة. كاد الأمر يُعَدّ حادثَ عنفٍ عادي لو لم يكن مطلق النار لاجئاً أفغانياً أجلته القوات الأميركية حين انسحبت من أفغانستان عام 2021، ولو لم تكن الضحيّتان من الحرس الوطني الذي أمر الرئيس دونالد ترامب بنشره في العاصمة واشنطن للمساعدة على حفظ الأمن. أعاد هذا الحادث الجدل حول الهجرة وقوانينها والتشدد فيها أو إصلاحها. لكن رد الفعل الفوري كان أمرَ ترامب نشر قوة إضافية من الحرس الوطني قوامها 500 عنصر "لجعل أميركا أكثر أماناً"، قبل أن يعلن الرئيس أمس "تعليق الهجرة من دول العالم الثالث جميعاً إلى أن تصلَّح القوانين.

هكذا، أثار هذا الحادث المخاوف ممّن يُسمَّون بـ "الذئاب المنفردة" الذين يشكّلون تهديداً مستمراً ومعقداً للأمن الداخلي للولايات المتحدة. وفيما يركّز الخطاب العام والسياسي على مخاطر التطرف الداخلي، يزداد الوضع تعقيداً حين يكون مطلقو النار من اللاجئين، علماً بأنهم ليسوا خلايا إرهابية منسّقة، بل أفراد لجأوا إلى أميركا ثم استخدموا العنف ضدّ من استضافهم.

من الخطأ النظر إلى عمل هؤلاء كمجرّد جحود أو شرّ دفين كامن. ففي هذه الأحداث تتداخل ثلاثة عوامل هي صدمات ما قبل الهجرة، وإخفاقات ما بعد الهجرة، والسقوط في فخ الأدلجة. أسباب السقوط؟

إن صورة "اللاجئ الذئب المنفرد" ليست صورة نمطية واحدة، بل يمكن أن تُعزى إلى الصدمات التي تلقاها اللاجئ في بلاده قبل لجوئه. فاللاجئ يهرب من بيئات العنف الشديد والحرب الأهلية والانهيار المجتمعي، ويحمل معه الندوب النفسية من الفظائع التي شهدها. بدون الدعم الكافي للصحة النفسية، يمكن أن تتفاقم هذه الحالات وصولاً إلى العنف.

ويمكن أن تعزى الصدمات إلى اخفاق اللاجئ في الاندماج وفشل المجتمع في استيعابه.

كانت الولايات المتحدة على الدوام أمة للمهاجرين، لكن بنيتها التحتية الحديثة لدمج القادمين الجدد تعاني من نقص مزمن في التمويل. غالباً ما يواجه اللاجئون "عزلة ثلاثية": فالحاجز اللغوي يحدّ من التوظيف والتفاعل الاجتماعي؛ والانقطاع الثقافي يؤدي إلى الحنين الشديد والصراع الهوياتي؛ والتهميش الاقتصادي نتيجة عدم الاعتراف بالشهادات المهنية التي يحملها، فيضطر اللاجئ إلى العمل في وظائف أقل بكثير من مهاراتهم

هذه العزلة تخلق بيئة خصبة للاستياء. عندما يصطدم وعد الحلم الأميركي بواقع الفقر والإقصاء الاجتماعي، يمكن أن يتجذر شعور عميق بالخيانة. ويصبح المجتمع المضيف ظالماً جديداً بدلاً من أن يكون منقذاً. سردية التظلم هذه هي الوقود الأساسي للتطرف لأن اللاجئ يمكن أن يكون فريسة سهلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.

وقد حددت دول ومنظمات معادية للولايات المتحدة مجتمعات اللاجئين المحبطين كنقطة ضعف رئيسية يمكن استغلالها من خلال الدعاية الإلكترونية خصوصاً. رسالتهم ماهرة التصميم والتخفّي: تضخيم الشعور بالاغتراب وتصوير الغرب كمجتمع عنصري معاد للإسلام (إذا كان اللاجئ مسلماً)، أو منحل وفاسد

سهولة الوصول إلى الوسائل الفتاكة

أي تحليل لحوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة يجب أن يواجه المتغير الفريد المتمثل في إتاحة الأسلحة. الفرد المنعزل بشدة في دولة غربية أخرى قد يلجأ إلى شكل أقل فتكاً من العنف. في الولايات المتحدة، يتم تقصير المسار من الفكرة المتطرفة إلى حدث جماعي بإصابات بشرية جماعية بشكل مأساوي بسبب التوفر الواسع للأسلحة ذات السعة العالية. الجمع بين الفرد المتظلم، الذي تم التلاعب به، وسلاح هجومي هو ما يحول جريمة كراهية محتملة إلى مجزرة.

استراتيجية للوقاية

قرار الرئيس ترامب تعليق الهجرة من كل دول العالم الثالث لن يحلّ المشكلة لأنها أصبحت متفشية داخل الولايات المتحدة. لذا، يتطلب منع تكرار هذه الحوادث، استراتيجية صلبة واضحة المعالم ومتعددة المستويات بدون المساس بالحريات المدنية أو خيانة القيم الأميركية.

تقوم هذه الاستراتيجية على إصلاح قانون اللجوء بحيث لا تستقبل الولايات المتحدة إلا من يستوفي شروطه. وعلى الإدارة أن تجعل أنظمة دعم اللاجئين ما بعد وصولهم إلزامية، بما يتجاوز السكن إلى فحص ورعاية الصحة النفسية وتوفير خدمات إرشادية مستمرة بهدف دمج اللاجئين لعدّة سنوات.

وفي هذا المجال تبرز الحاجة إلى التمويل الفدرالي لتسهيل مسارات الاندماج بتوسيع تعليم اللغة الإنكليزية، والتدريب المهني، والبرامج التي تعجّل الإعتراف بالشهادات المهنية الأجنبية.

أما في الشق الأمني فعلى مؤسسات إنفاذ القانون بناء علاقات ثقة عميقة مع مجتمعات اللاجئين كي ترى هذه المجتمعات نفسها شريكة في إنفاذ القانون ولا تنطر إلى الشرطة كخصم لها.

ومن المفيد أيضاً تطوير محو الأمية الرقمية وبرامج مكافحة التطرف بتمويل مبادرات لمساعدة القادمين الجدد على تحديد ومقاومة التلاعب عبر الإنترنت والدعاية.

ومن الضروري أيضاً استمرار المتابعة الأمنية بعد الوصول لتأكيد المعلومات التي سمحت بدخول اللاجئين والتثبت من أنهم لن يميلوا نحو التطرف والعنف.

معضلة مراقبة الأسلحة النارية

هذا هو أكثر الجوانب إثارة للجدل سياسياً، لكنه حتمي في المعادلة. من منظور أمني بحت، يجب النظر في إجراءات لمنع امتلاك الأسلحة النارية أو الوصول إليها من قبل الأفراد الموجودين على قائمة مراقبة الإرهابيين أو أولئك الذين تم الحكم عليهم قانونياً بأنهم خطر على أنفسهم أو على الآخرين.

في المحصلة، لا يولد اللاجئ إرهابياً أو مسكوناً بالعنف. ولكن يمكن أن يتحوّل إلى إرهابي أو يبيّت كرهاً دفيناً يدفعه إلى ممارسة العنف منفرداً أو عنصراً في تنظيم.

ورغم قرار الرئيس ترامب ستظل الولايات المتحدة بلد هجرة بامتياز، وعليها في الوقت ذاته أن تحمي نفسها ومواطنيها. لذا، يازمها أكثر من الرد الأمني أو العسكري إلى ما يصل إلى مساعدة المهاجرين على الاندماج في مجتمع يسعى اللاجئ إليه إلى الأمان والحياة الفضلى وتسعى الدولة في الوقت نفسه إلى الاستفادة من مواهب المهاجرين وقدراتهم.