ينتظر لبنان موفدين دوليين سيزورانه في أيّ وقت، ولا فارق بين من سيسبق الآخر إليه، الموفد الرئاسي الأميركي آموس هوكستين أو الموفد الرئاسي ـ الخماسي الفرنسي جان إيف لودريان. ولكنّ كلّاً منهما ينتظر مع معطيات ما ميدانية أو ديبلوماسية ليبني عليها مجيئه، خصوصاً أنّ مهمّتيْهما باتتا تبدوان وكأنّهما متكاملتان، في الوقت الذي غاب الكلام عن الحراك القطري، وكذلك المصري الذي أجّل في اللحظة الأخيرة زيارة وزير خارجيته سامح شكري لبيروت بعدما تحدّدت مواعيدها، من دون أن تعرف الأسباب، لكن ربما يكون لقاء شكري مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على هامش "مؤتمر الأمن" في ميونخ قد أدّى الغرض المصري المطلوب.

كلّ المؤشّرات تدلّ، حسب مطلعين كبار، إلى أنّ لبنان والمنطقة مقبلان على "حدث كبير" أو "تطوّر كبير" ليست معروفة طبيعته وتفاصيله بعد، إمّا يكون مدخلاً إلى حلول، وإمّا مدخلاً إلى مزيد من التفجير والتأزم، والمؤشر إلى ذلك سلباً أو ايجاباً هو ما سيشهده قطاع غزة والجبهة الجنوبية في قابل الأيام. ففي غزّة تهدّد إسرائيل باجتياح رفح التي باتت في نظرها "آخر المعاقل الحصينة" لحركة "حماس" وأخواتها في القطاع، فيما فصائل المقاومة ما تزال موجودة وتقاتل بشدّة من شمال القطاع إلى جنوبه. وفي الجنوب اللبناني تهدّد إسرائيل بشنّ حرب واسعة النطاق على لبنان يعلن الأميركيون والفرنسيون أنهم يسعون لمنعها عبر مهمة هوكستين من جهة، وعبر المبادرة الفرنسية الأخيرة التي حملها وزير الخارجية ستيفان لوجورنيه الأسبوع الماضي إلى بيروت وتل ابيب من جهة ثانية.

يقول مسؤولون ومتابعون إنّ إسرائيل التي كانت ولا تزال تفتش عن "نصر" يعيد لها الهيبة وقوّة الردع اللتين فقدتهما بعد عملية "طوفان الأقصى" وما تلاها منذ السابع من تشرين الأول الماضي، تعتقد الآن أنّها إذا اجتاحت رفح وسيطرت عليها تطبق على "حماس" وأخواتها في طول قطاع غزة وعرضه وتحقق "لنصر الموعود". في حين أنّ الميدان يدلّ إلى أنّها لم تستطع حتّى اليوم السيطرة على القطاع شمالاً ووسطاً وجنوباً، بدليل أنّ المعارك ما تزال تدور بينها وبين فصائل المقاومة في كلّ المناطق الغزّية، فكيف لها أن تسيطر على رفح التي نزح اليها 1,200,000 نازح من بقية مناطق القطاع، وتريد لهؤلاء أن ينزحوا إلى سيناء المصرية إن لم تجهز عليهم بالقصف.

أمّا في جبهة الشمال حيث المواجهة المتصاعدة مع حزب الله وبقية فصائل المقاومة اللبنانية، فإنّ المسؤولين الإسرائيليين يرفعون يومياً من منسوب تهديداتهم، ويقرنونها بتوسعة رقعة قصفهم للمناطق الجنوبية اللبنانية، وكان من ذلك المجزرة التي ارتكبوها في مدينة النبطية التي سقط فيها سبعة شهداء، غالبيتهم من عائلة واحدة، ما دفع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله إلى التوعّد بردّ على هذه المجزرة في قابل الأيام، مؤكّداً أنّ المقاومة تملك من القوة الردع ومن الأسلحة ما يجعلها تطاول ليس كريات شمونة فقط وإنما مدينة إيلات على البحر الأحمر. الأمر الذي وضع الجبهة الجنوبية أمام كلّ الاحتمالات حول توسع رقعة الحرب، خصوصاً أنّه قد تولّد اقتناع لدى قيادة المقاومة بأنّ إسرائيل، إذا نجحت في اجتياح رفح، سترتدّ فوراً إلى تصعيد واسع على الجبهة اللبنانية، وقيل أنّ حزب الله استعدّ لهذا الاحتمال بكلّ الإمكانات. ويقال أنّ قصف مقر القيادة الشمالية الإسرائيلية في صفد الذي لم تعلن أيّة جهة مسؤوليتها عنه بعد، يشكّل نموذجاً عن طبيعة المواجهة التي ستحصل إذا وسّعت إسرائيل رقعة الحرب في اتجاه لبنان.

الحريري المدرك أنّ أوان عودته لم يحن بعد، لم يخفِ ما لديه من معطيات حول تسويات إقليمية قيد الإعداد

هوكستين ولودريان

وفي أيّ حال، فإنّ الوضع الجنوبي يتوسّط فيه الموفد الأميركي هوكستين سياسياً وحدودياً، وإنّ هذا الأخير سيزور لبنان بعد زيارة سيقوم بها إلى تل ابيب التي ينبغي أن تسلّم إليه ردودها على المقترحات التي أبلغها إليها بعد زيارته الأخيرة للبنان، إلّا أنّه لا يمكن التهكن بموعد مجيئه إلى بيروت الذي يمكن أن يتمّ في أيّ وقت، على رغم من أنّ البعض يتوقّعها بعد حسم إسرائيل موقفها النهائي من الوضع في رفح اجتياحاً أم لا. واللافت أنّ هوكسين أكّد أنّه بحث مع ميقاتي خلال لقائهما في ميونخ "التوتّرات المستمرّة على الحدود اللبنانية الجنوبية وإعادة تأكيد الحاجة إلى حلّ ديبلوماسي دائم يُساهم في تحقيق الاستقرار الدائم وعودة النازحين إلى قراهم على جانبي الحدود". ثم قال لاحقاً في حديث متلفز إنّ "الوضع على الحدود بين لبنان وإسرائيل تبدّل بعد 7 أكتوبر، وعلينا القيام بالكثير لدعم الجيش اللبناني وبناء الاقتصاد في جنوب لبنان، وهذا ما يتطلّب دعماً دولياً من الأوروبييّن ودول الخليج".

أمّا الموفد الفرنسي لودريان الذي يصول ويجول بين عواصم دول المجموعة الخماسية، فإنّ المعلومات تشير إلى أنّ موقف هذه المجموعة لم يتغيّر بعد، وهو أنّ على الفرقاء اللبنانيين أن يتولّوا بأنفسهم إنجاز الاستحقاق الرئاسي بالاتفاق على رئيس، أو خوض الانتخابات الرئاسية بالتنافس الانتخابي الديموقراطي، لأنّ دول الخماسية، مجتمعة أو منفردة، لن تبادر إلى طرح أيّ مرشح للرئاسة اللبنانية. ويبدو، حسب المعلومات، أنّ لودريان يعمل مجدداً على فكرة دعوة الفرقاء اللبنانيين إلى حوار بأيّ صيغة كان وتحت أيّ مسمى كان، يمهد لانتخاب رئيس للجمهورية. ولكن رشح أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري أبلغ إلى المعنيين أنّه دعا إلى الحوار مرّات عدّة، ولكن دون جدوى، ومع ذلك فإنّه مستعدّ لقيادة أو تسهيل أيّة مبادرة حوارية، وهو كان أبلغ هذا الموقف إلى سفراء المجموعة الخماسية خلال لقائه الأخير معهم. مقترحاً أن يرعى هذا الحوار نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب بدلاً منه إذا كان لدى أيّ من الفرقاء المتحاورين أيّ اعتراض على ترؤسه هذا الحوار.

الحريري

في ظل هذه الأجواء حلّت في 14 شباط الجاري الذكرى 19 لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري مطلقة إشارات حول مستقبل الوضع في لبنان والمنطقة، من خلال حضور الرئيس سعد الحريري المناسبة الذي كان هذه المرة مختلفاً عن العام الماضي، في ظلّ قراره المستمر تعليق عمله السياسي منذ العام 2020، ذلك أنّ كلّ ما شهدته المناسبة من حراك سواء على مستوى الحريري نفسه او على مستوى القيادات والوفود السياسية والشعبية التي تقاطرت الى ضريح الرئيس الشهيد في ساحة الشهداء، أو إلى "بيت الوسط"، دل إلى أن الموانع التي فرضت على الحريري تعليق عمله السياسي قد زالت، أو هي في طريق الزوال، وأنّ الرجل يقف على أهبة الاستعداد للعودة إلى الساحة التي كان خرج منها، ما دفع البعض إلى القول أنّ زيارته لبيروت هذه المرة "هي توطئة لعودته إليها واستئناف عمله السياسي". ولكن الرجل سارع إلى التأكيد أنّ عودته عن قراره الانسحاب من الحياة السياسية الآن "سابقة لأوانها" وأنه لا يرى "أن وقت عودته إلى العمل السياسي قد حان"، مؤكّداً "أنّ الناس قالت كلمتها في الأمس في 14". وبالفعل فإنّ الذين احتشدوا سواء قرب الضريح في وسط بيروت أو في "بيت الوسط" قالوا كلمتهم في دعوة الرجل إلى العودة إلى دوره وموقعه في الحياة السياسية، وفي الوقت نفسه وجهوا رسالة واضحة إلى العواصم والجهات المعنية، مفادها أن عليها إعادة النظر في موقفها من الرجل، وأن تدرك أنّ البيئة التي ينتمي إليها "متعطشة" لعودته وملء الفراغ الذي أحدثه خروجه منها في الحياة السياسية وعلى المستوى الوطني.

والواقع أنّ الحريري المدرك أنّ أوان عودته لم يحن بعد، لم يخفِ ما لديه من معطيات حول تسويات إقليمية قيد الإعداد، لكنّها لم تنضج بعد، ولذلك نصح كثيراً من زواره، من قيادات وشخصيات وكتلة نيابية من كل الطوائف والانتماءات السياسية، بوجوب الاتفاق على انتخاب رئيس الجمهورية "لأنّ الفراغ السياسي مميت". علماً أنّ بعض زواره قال إنّه بزيارته للبنان هذا المرّة فتح الباب أمام عودته "نصف‫ فتحة"، ودلّ إلى ذلك جرأته وعدم تردّده في إبداء رأيه في الأوضاع وفي الرد على الأسئلة التي وجهها زوّاره إليه. إلّا أنّ عودته تنتظر نضج التسوية الإقليمية ـ الدولية التي لمّح إليها الرجل وكثير من القيادات ومن الموفدين الدوليين الذين كان آخرهم وليس أخيرهم وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان.

لكن تبقى مسألتان توقفت عندهما الأوساط السياسية طويلاً في غمرة إحياء ذكرى 14 شباط، وهما: استقبال الحريري اللافت لرئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية دون سواه من المرشّحين لرئاسة الجمهورية إلى عشاء خاص في "بيت الوسط". والحوار الذي أجرته قناة "الحدث" السعودية مع الحريري في أول إطلالة تلفزيونية مباشرة له عبر وسيلة إعلامية سعودية أو عربية منذ تعليقه عمله السياسي عام 2020.