قوّض مجلس شورى الدولة "حجر الزاوية" في الخطط الحكومية السابقة والمستقبلية لمعالجة تداعيات الأزمة. فانهار "مبنى" التعافي للحكومة بالتنسيق مع صندوق النقد الدولي، الذي ارتكز على Haircut باعتبار ودائع المصارف في المركزي بقيمة "60 مليار دولار"، ديوناً هالكة ينبغي مسحها. الأمر الذي يفرض لاحقاً ليلرة الودائع وتحويلها أسهماً بقيمة غير حقيقية في رساميل المصارف، أو سندات صفرية لأجل غير مسمّى.  

قبل أيام قليلة، وتحديداً في 6 شباط، أصدر مجلس الشورى قراراً نصّ على إبطال قرار مجلس الوزراء الصادر في 20 أيار 2022، والقاضي بالموافقة على إستراتيجية النهوض بالقطاع المالي، في شقّها المتعلق بإلغاء جزء كبير من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف. وذلك لخفض العجز في رأسمال مصرف لبنان. وكانت إستراتيجية الحكومة الصادرة في نيسان 2022 قد نصّت بالحرف: "بناء على نتائج التدقيق الخاص الذي أظهر ضخامة رأس المال السلبي المتراكم في مصرف لبنان. حيث يزيد عن 60 مليار دولار أميركي. سوف نلغي بدايةً، جزءاً كبيراً من التزامات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية تجاه المصارف. وذلك لتخفيض العجز في رأسمال مصرف لبنان وإغلاق صافي مركز النقد الاجنبي المفتوح للمصرف (Net Open FX position). 

تحريم المسّ بالملكية الخاصّة 

القرار الصادر عن مجلس الشورى لا يتعلّق بعمل مستقبلي تنوي الحكومة القيام به، إنّما بإبطال بند واحد من الخطّة المتعلقّة بشطب ودائع المصارف لدى المركزي. "وكانت تباشير القرار الصادر أخيراً، قد بانت في أيار 2023، عندما قبل مجلس الشورى الطعن المقدم من جمعية المصارف في الشكل"، بحسب المحامي البروفيسور نصري أنطوان دياب. "على الرّغم من عدم تضمّن ملف الطعن قرارات تنفّذ مباشرة. إنّما يجري تنفيذها لاحقاً، بموجب قرارات أو قوانين. وقد توج "الشورى" عمله بالقرار الصادر أخيراً، والمُعتبر نافذاً حكماً.  

أهميّة القرار من وجهة نظر البروفيسور دياب أنّه "يحرّم على السلطة التنفيذية بناء خططها، أو تضمينها، أو الاعتماد على شطب ودائع المصارف في مصرف لبنان، أو المسّ بالملكية الخاصّة. وذلك ينسحب أيضاً على ودائع المودعين لدى المصارف. ذلك أنّ قرار مجلس الشورى يضع مبادئ وأسساً للتعاطي مع كلّ الودائع مهما كان حجمها. ويحتّم، أقلّه من الناحية المعنوية، مراجعة كلّ الأسس التي بنيت عليها الخطة. إذ يمكن الحكومة أن تَمضي قُدماً بقرارها شطب الودائع صراحة أو مواربة، وتضمين قرارها بمشروع قانون يرسل إلى المجلس النيابي. وهناك يصبح لكلّ حادث حديث. فما قام به مجلس الشورى هو حماية الودائع والملكية الخاصة، ويكرّس مجدّداً دور القضاء اللبناني في حماية المواطن والملكية". 

جوهر الأزمة اللبنانية يتمثّل في الجهة التي ستتحمّل الفجوة النقدية في مصرف لبنان، والباقي يمكن الاتفاق عليه


ينسحب على علاقة المودعين بالمصارف 

بصرف النّظر عن كون الإبطال شمل قراراً لم يوضع موضع التنفيذ ولم يتمّ السير به، "فتداعياته ستكبر ككرة الثلج"، بحسب المستشار المالي الدكتور غسان شماس. إذ إنّ الشورى بنى قراره بقبول الطعن على اجتهادات قانونية تتعاطى بـ "الوديع" deposited at، و"الوادع" depositor على أساس أن البنوك هي الوادع والمركزي هو الوديع. وليس هنالك قوة في العالم تسمح للأخير بمصادرة حقوق الجهة الوادعة. وعليه، على المصرف المركزي إعادة الأموال كما هي". وبحسب شماس فإنّ "الموقف القانوني الذي سمح لمجلس شورى الدولة أن يقبل بطعن جمعية المصارف، ينسحب حكماً على علاقة المصرف بالمودع. ويلزم المصارف بإعادة الودائع بعملة الإيداع نفسها. ويحرم تالياً كلّ اشكال إعادتها بالليرة إذا كانت عملة الإيداع هي الدولار أو أيّة عملة أخرى. او حتّى إعادة الوديعة على شكل أسهم برأسمال المصرف bail in، أو على شكل سندات مستقبلية. وأكثر من ذلك فإنّ تحوّل الوديعة إلى استهلاكية consumption deposit كأن تكون الودائع استعملت في شراء الفيول أو الغذاء أو الإنشاءات وغيرها، لا يعني إعادتها بالشكل النهائي، إنما الأساسي الذي وضعت فيه". 

الكابيتال كونترول لاحقاً  

النتيجة الثانية التي ستترتّب مستقبلاً على هذا الطعن ستتمثّل، بحسب شماس، في "إلحاح المصارف على إقرار قانون الكابيتال كونترول. إذ إنّ استعادة الأموال من "المركزي"، ولو نظرياً، ستحتّم عليها إعادتها للمودعين عند الطلب. والحفاظ على هذه الأموال داخل الجهاز المصرفي، والاستفادة منها، وعدم خروجها بسرعة البرق لن يكون ممكناً من دون وجود قانون يضبط عمليات السحب".  

الخطة لن تمرّ 

أمّا النتيجة الثالثة والأهم التي قد تترتّب على قرار الشورى فستكون عدم تمكّن الحكومة من السير في الخطّة الأخيرة المعنونة "مشروع القانون المتعلّق بُمعالجة أوضاع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها"، تاريخ 8 شباط 2024. فعلى الرّغم من أنّ الخطّة الأخيرة لا تذكر شطب الودائع صراحة، فهي تقرّ بالشطب مواربة من خلال "الليلرة"، وإعادتها على شكل أسهم وسندات، وإنشاء صندوق استرداد الودائع، وعدم رسملة مصرف لبنان بأكثر من 2.5 مليار دولار. وهذا كلّه يعني تخلّي الدولة عن ردّ الديون المقدّرة بأكثر من 60 مليار دولار لمصرف لبنان، واعتبار هذا الدين مفصولاً عنها ومتصلاً بمسؤولية مصرف لبنان. و"قد أكّد نصّ قرار الشورى على ذلك من خلال تأكيده على عدم جواز استدانة الدولة من المركزي، إلّا بظروف استثنائية وبقوانين صادرة من مجلس النواب"، بحسب شماس. "وهذا ما سيحوّل سبب الازمة، أي استدانة الدولة من المركزي، واستعمال الأخير ودائع المصارف التي تعود للمودعين، إلى ما يشبه تقاذف الكرة بين الفرقاء الأربعة، أي الحكومة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين. وكلّ فريق يرمي الكرة للآخر، ليعود الآخر ويرميها لغيره.. وهكذا دواليك من دون أن يسجّل أيّ فريق هدفاً نظيفاً في مرمى الفريق الآخر". 

جوهر الأزمة اللبنانية يتمثّل في الجهة التي ستتحمّل الفجوة النقدية في مصرف لبنان، والباقي يمكن الاتفاق عليه. وما جرى، وإن كان يعيد خلط الأوراق، ويكبح جماح الخطط لتحميل المودعين العبء الأكبر، لا يسهّل الحسم واتخاذ القرار سريعاً. بل من المنتظر أن يستمرّ تمييع هذا الملف إلى أجل غير مسمّى.