هل خلت الأرض من الأماكن السياحية لدرجة بات الإنسان يبحث عن وجهات خارجية؟ ونحن لا نتكلم هنا عن خارج حدود الدول، بل خارج حدود الأرض.

مع الطلب المتزايد على السياحة الفضائية، قد يكون السفر إلى الفضاء الخارجي قريباً وسهلاً، مثل حجز رحلة إلى دولة مجاورة. حتّى أنّ الخبراء يقولون إنّه قد يحدث في غضون سنوات قليلة، وبفضل التطوّر التكنولوجي الذي تشهده البشرية، يمكن لهذه الصناعة أن تتغير بشكل دراماتيكي، وبالتالي تغيير العالم ودفع شركات كـ "ناسا" إلى الاعتماد على الرحلات الخارجية التجارية لتمويل أبحاثها العلمية الفضائية.

عندما بدأ الإنسان في اكتشاف عالم الطيران في منتصف أواخر القرن التاسع عشر، كان ذلك حكراً على الحكومات والمقتدرين الذين يستطيعون تحمّل تكاليفه، ولكن لم يتخيّل الناس يوماً قد تكون هذه الرفاهية بمتناول اليدّ وبوسائل شتّى وطرق لا تعدّ ولا تحصى، يمكن بها استخدام وسائل السّفر الجويّ للتأثير بشكل إيجابي على حياة سكّان الكرة الأرضية، وهذا ما يعزّز من فكرة مستقبل السياحة الفضائية وإمكانية تحقيقها قريباً.

ما هو السّفر إلى الفضاء؟

السّفر الجويّ هو أي سفر يتجاوز علوّه 50 أو 60 ميلاً فوق مستوى سطح البحر. لكن الخبراء يختلفون حول مدى بعد الفضاء عن الأرض. في حين أنّ العديد من المنظمات الدولية تعتبر خط كارمان - الذي يبلغ ارتفاعه 60 ميلاً - حافّة الغلاف الجويّ للأرض، فإنّ إدارة الطيران الفيدرالية ووكالة ناسا تعرفان كلّ شيء يزيد عن 50 ميلاً على أنّه "فضاء خارجي".

لذا، فعندما يتم حجز جولات فضائية، تقدّم الشركات إمّا رحلات مدارية أو شبه مدارية. السفر الفضائي المداري يعني أنّ المركبة الفضائية تسافر حول الكوكب بسرعة كافية لتجنّب السّقوط مرّة أخرى إلى الأرض، ومحطّة الفضاء الدولية (ISS) هي مثال على السّفر إلى الفضاء المداري. أمّا السّفر الفضائي غير المداري فيأخذ النّاس إلى الفضاء ثم يعود إلى الأرض بسرعة أبطأ من السّفر المداري. وتقدّم معظم شركات السياحة الفضائية للمواطنين العاديين حاليّاً رحلات فضائية ما دون المدارية.

هل اكتفى الإنسان من الأرض؟

تشير الدراسات إلى أنّ رؤية الخط الأزرق الرفيع الأيقوني للغلاف الجوي لكوكبنا الذي يفصل الأرض عن السواد الصارخ للفضاء يؤثّر على روّاد الفضاء بشكل كبير جداً. هذه التجربة المثالية والفريدة من نوعها التي يعيشها روّاد الفضاء والتي يتم تصويرها في الأفلام العلمية أو السينمائية هي السبب الرئيس في أنّ معظم النّاس يريدون السفر إلى الفضاء. تخيّل رؤية الأرض من الأعلى وتخيّل رؤية العوالم الأخرى التي يمكنك رؤيتها من الفضاء، وتخيّل كافّة التفاصيل العظيمة التي تبدو صغيرة فجأة. وتخيّل إمكانية التقاط صور مذهلة لتفاصيل الدول وأنوارها من الأعلى، وكان آخر مثال لذلك صورة إعصار بيبرجوي التي تمّ التقاطها من أحد الأقمار الاصطناعية فوق الهند وباكستان.


يقول روّاد الفضاء بأنّ كل رحلة فضائية لها تأثير نفسي مباشر عليهم، وفجأة تعتريهم رغبة مشاركة كل شيء مع الجميع. إنّه هذا الإحساس الذي تشعر برهبة الوحدة في الفضاء الذي يدفعك إلى توطيد العلاقات الاجتماعية بالناس وتعزيز ارتباطك بهم بشكل أكبر خاصة في القضايا الاجتماعية والبيئية.

ماذا لو قام آلاف الأشخاص بهذه التجربة؟ فهل سنعيش بكوكب أفضل وأكثر مسؤولية؟

التنافس على السماء قد يفقدنا الأرض؟

تقوم مركبة الفضاء الروسية سويوز بنقل المواطنين العاديين إلى محطة الفضاء الدولية منذ عام 2001 ، بتكلفة تبلغ 90 مليون دولار للمقعد. الآن، وبفضل شركات السياحة الفضائية الأميركية الناشئة حديثاً، سيكون من الممكن قريباً الانضمام إلى النّادي الحصري لأولئك الذين سافروا إلى الفضاء - أي لأيّ شخص يستطيع تحمّل سعر التذكرة الذي لا يزال باهظاً للغاية.

وتصدّرت شركة SpaceX ، التي أسّسها Elon Musk، الأخبار عندما حملت اثنين من روّاد فضاء ناسا إلى محطة الفضاء الدولية في عام 2020 ، حيث كانت أوّل مهمّة مأهولة يتم إطلاقها في الولايات المتحدة منذ ما يقارب 10 سنوات. تستأجر سبيس إكس حالياً رحلات مدارية خاصّة إلى محطة الفضاء الدولية في مركبتها الفضائية دراغون، بتكلفة عشرات الملايين من الدولارات للمقعد الواحد على متن الرحلة.

أمّا Blue Origin ، التي أسسها جيف بيزوس (أمازون)، فهي شركة سياحية فضائية تدير رحلات تجارية غير مدارية. وتقاضت بلو أوريجين 28 مليون دولار مقابل تذكرة واحدة في رحلتها الأولى مع جيف بيزوس، إلّا أنّها لا تعلن عن أسعار تذاكرها الحالية.

بدورها تخطط Virgin Galactic لبدء العمليات التجارية. وقد بدأت حجوزات رحلات مع فيرجن غالاكتيك انطلاقاً من 450,000 ألف دولار للمقعد الواحد.

أمّا بالنّسبة لأولئك الذين يبحثون عن خيار أقلّ تكلفة - وإن كان لا يزال باهظ الثمن - تقدّم شركات أخرى بالونات ذات ضغط صفري تأخذ السياح إلى ارتفاع يصل إلى 20 ميلاً، وهو ارتفاع كاف لرؤية زوايا الأرض. وتبلغ تكلفة ركوب منطاد شركة Space Perspective المسمّى Spaceship Neptune 125 ألف دولاراً للمقعد، في حين ان شركة World View تتقاضى 50,000 دولار عن كلّ مقعد في رحلة شبيهة.

من المتوقّع أن تستمرّ هذه الرحلات بين ست وثمان ساعات وتشمل أيضاً خدمات تناول الطعام والكوكتيلات والموسيقى في صالة أنيقة، ولدى كلتا الشركتين رحلات من المقرّر إطلاقها في العام 2024، ولكن إدارة الطيران الفيدرالية لم توافق حتّى الآن. وهو حال شركة زيفالتو التي تروّج لرحلة لتقدم وجبة طعام عند حدود طبقة الستراتوسفير بقيمة 135 ألف دولار أميركي للشخص، مع العلم أن الأماكن المتاحة هي لستة أشخاص.


وفي تجارب شبيهة، ولكن بأقلّ تكلفة وروعة في آن، تقوم بعض الشركات بتنظيم رحلات توّفر الشعور بانعدام الجاذبية على رحلات طائرات بوينج 727 معدّلة خصيصاً، وهي تعتبر أسهل وأرخص إذ تبلغ تكلفتها حوالي 8,200 دولار للمقعد الواحد.

عندما يتعلّق الأمر بمستقبل السياحة الفضائية، فإنّ السماء لم تعد هي الحدّ بكلّ ما للكلمة من معنى، ولكن نحن في البداية فقط، ولا يمكننا ببساطة أن نتخيّل الآن الطرق التي سيستخدم بها الناس رحلات الفضاء لتحسين الحياة على الأرض، ومن الممكن أن يقرّر المسافرون البقاء والعيش في الفضاء، وقد أطلقت العديد من الشركات خططاً لبناء عقارات وأماكن إقامة لسياح الفضاء تحتوي على بعض الفنادق الفضائية ومكاتب ومساحات للإيجار. علاوة على ذلك، يمكن لبرامج السياحة الفضائية أيضاً التشجيع على المزيد من الابتكار والاستكشاف لنظامنا الشمسي، وإنّ سفر الناس إلى الفضاء قد يخلق فرصاً لابتكارات تكنولوجية فضائية متقدمة، وإجراء أبحاث رائدة وإنشاء حدود جديدة في المجرّات خارج مجرّتنا.