بأجواء ميلادية مليئة بالإيمان والرجاء والأمل، افتتحت فعاليات "بيروت ترنّم" نسختها السادسة عشرة لعام 2023. ولم يكن المسعى لتنظيم فعاليات النسخة الـ16 بالأمر السهل وسط الوحشية والدمار والعنف الذي لا هوادة فيه والذي يخترق نفوس البشرية. فماذا لو حجبت بيروت هتافاتها تكريماً لجنوبنا الحبيب؟ ماذا لو صمتت لغة الموسيقى العالمية؟ كيف يمكننا أن نحتفل بميلاد يسوع دون مشاركة المحبّة والرجاء؟

إلّا أنّ الإيمان بأن عيد الميلاد يجسد جوهر القيامة كان بمثابة النور الهادي في مواجهة التحدي المتمثل في إصدار نسخة 2023 من "بيروت ترنّم".

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تقف الموسيقى كملجأ لجميع اللبنانيين، في حين أنّ الصلاة بمثابة تذكير مؤثر لإنسانيتنا، وقيمنا، وتعاطفنا مع الآخرين، واعترافنا بنقاط ضعفهم، والتزامنا بشفاء جراحهم.

وانطلاقا من هذه المبادئ، نظّمت بيروت ترنّم فعاليات تمتدّ على مدى 24 يوماً، من 30 تشرين الثاني، وحتّى 23 كانون الأول، قدّمت وتقدّم خلالها باقة من العروض الفنية الميلادية، التي تضمّ نخبة من الموسيقيين والفنانين، الذين جعلوا من الموسيقى لغتهم لإيصال رسالة محبة وسلام في ذكرى مجيء المخلّص.

ومن ضمن الفعاليات التي لاقت إقبالاً كبيرا، عرض ريسيتال ميلادي قدّمته جوقة جامعة نوتردام، بقيادة الأب خليل رحمة وحضور البطريرك الماروني، مار بشارة بطرس الراعي، في كنيسة القديس يوسف في مونو، وبرعاية شركة "سي أم أن".

كما احتفلت جوقة جامعة نوتردام، بثلاثة عقود من التميّز الموسيقي حيث صادف توقيت العرض والذكرى الـ 30 لتأسيس كورال الجامعة، وللاحتفال بهذا الحدث المهم، تم تكليف ألبرتو مانياتشي بتأليف نشيد، وقام بمهارة بتجميع الشعارات التي لا تنسى من تأليف الأب رحمة على مر السنين، تم تسجيل هذا العمل للعازفين المنفردين والجوقة والأوركسترا، التي عرضتهم خلال الريسيتال.

وبذخيرة واسعة من الأناشيد والترانيم، وبصوت دافئ غني، عملت جوقة جامعة نوتردام كسفير موسيقي لبيروت في قاعة كنسية مار يوسف، فخطفت قلوب الحاضرين إلى عالم ساحر، مليء بالأمان والهدوء والسكون، بترانيمها التي امتدت لمدة ساعة ونصف.

وفي هذا الإطار كان لموقع “الصفا نيوز” حديث خاص مع البطريرك الراعي الذي لفت إلى أن "الريسيتال الميلادي هو دعوة للارتفاع عن الماديات والمصالح الصغيرة والصعود إلى قمم الروح والتخلي عن وحل المصالح الشخصية، ولنشكر الله على تطهيره لروحنا واعطائنا علامات على حضوره، والشعب اللبناني سعيد لأن الله خلّصنا من أزمة سياسية وأمنية جديدة، لذلك الريسيتال الميلادي هو صلاة شكر ورجاء لله على كل شيء وصلاة لنعرف أن سيّد التاريخ هو يسوع المسيح".

وعن قصف العدو الإسرائيلي لبيت لحم، الأرض الذي ولد فيها المسيح، علّق الراعي "البشرية جمعاء تأسف لما يحصل في فلسطين، والبشرية تتألّم، خصوصا أنّ هذه الأرض الذي غسلها المسيح بدمه وحضوره تتعرّض للقصف، إنّها مأساة للعالم كلّه، ولكن نقول لهم مهما خربوا بقنابلهم وأسلحتهم لن يستطيعوا تخريب المسيح ولا الإيمان في قلوبنا ولا رجاءنا، ونحن نسمّي هذا العيد عيد الرجاء في قلب الركام، وسنبقى شهداء على أنّ المسيح ولد هنا".


من جهتها، قالت مؤسسة "بيروت ترنّم" ميشلين أبو سمرا في حديثها لموقع "الصفا نيوز" إنّ "التحديات كانت كبيرة هذا العام للقيام بالعمل، وما شجعنا هو علمنا بأن الناس بانتظارنا في شهر الميلاد، على الرغم من كل الحزن والجروح بعد اندلاع الحرب في غزة، ليبقى اللبناني متمسكا بحب الحياة، ودائما أقوى من كل الصعوبات ومن الموت، وعيد الميلاد يمنح الامل والفرح".

ولفتت أبو سمرا إلى أنّ "المواطنين الذين يشاركون في فعاليات "بيروت ترنّم" يعلمون أنّ ما نقدّمه هو مساحة للتأمل ولقاء يجمعنا على المحبة، وهو ما جعل الرسالة تنجح منذ 16 سنة وحتّى اليوم. ولا شكّ بانّ الرسالة هذا العام أقوى في ظل الأوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان والفنانين الذين يشاركون من لبنان والخارج، يقومون بجهد جبار ويعطون من فرحهم وفنهم ومحبتهم الكثير، وهو ما جعل فعاليات بيروت ترنّم تنجح. ونحن دائما نفتخر بجمال شعبنا والحضور".

واعتبرت أنّ "الثقافة والموسيقى هي التي تحررنا كشعوب، وتجعلنا نتّحد، ولذلك تشهد "بيروت ترنم" هذا الإقبال الكبير، وهو ما علينا التمسك به كلبنانيين، ونأمل أن تنجح جميع المهرجانات في لبنان".

ووجهت أبو سمرا تحيّة للسيد أكرم صفا "السيد العصامي الناجح الذي بفضله تمكّنا من القيام بهاذ العمل اليوم وتقديمه للناس مجانا، وهو معروف بدعمه لمختلف النشاطات التربوية والثقافية والرياضية".

من جهته قال الأب خليل رحمة، في حديثه لموقع "الصفا نيوز"، رسالتنا للبنان وأهله في هذا العيد هي رسالة أمل، بأننّا مستمرون بعملنا وبحبنا لوطننا، وبرسالتنا الثقافية التي نقدّمها للبنان، وبالنسبة لغزة، فنحن نرفع صلواتنا في هذا الريسيتال الميلادي لأطفال بيت لحم ولكلّ طفل يتعذّب في فلسطين وكلّ شاب ومواطن".

واعتبر أنّ "الأمل والرجاء موجودين في بيروت ترنّم ونحن نوجّه تحية لكلّ من شارك في المهرجان هذه السنة، ونحييه على جهوده خاصة في ظل هذه الظروف الصعبة والقاسية التي يمرّ بها لبنان، ونتمنى السلام والامان للبنان ولشعبه".