سيكون على الثنائي وحلفائه بعد أن يضمنوا انضمام التيار الوطني الحر إليهم أن يعملوا على تأمين نصاب اكثرية الثلثين لانعقاد الجلسة ولانتخاب فرنجية في دورتيها بالأكثرية المطلقة أو الموصوفة

ينتظر أن يكون شهر آب اللهّاب مناخياً، لهّاباً سياسياً استعداداً لأيلول "يلّي طرفه بالشتي مبلول" مناخياً ورئاسياً، وهو الموعد الذي حدّده المبعوث الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان بتغطية من المجموعة الخماسية لعقد طاولة أو طاولات تشاور تتناول الاستحقاق الرئاسي برنامجاً فأسماء، لتفضي إلى انجازه سواء بجلسة نيابية واحدة إذا حصل توافق على رئيس، أو بجلسات مفتوحة يتنافس فيها مرشحون، وذلك تحت طائلة فرض "إجراءات" على من يعرقلون، أو نفض "اليد الخماسية" من الشّأن اللبناني، على حدّ ما ورد في البيان الخماسي وكذلك على حدّ قول الموفد الفرنسي نفسه لبعض من التقاهم.

بحنكته السياسية، وبحرفيّته في إدارة المعركة الانتخابية الرئاسية في مواجهة الآخرين، كرّرها رئيس مجلس النوّاب نبيه بري مرّتين الأولى عند استقباله الموفد الفرنسي، والثانية عند وداعه، وذلك عندما قال أنّ "كوّة فتحت في جدار الملفّ الرئاسي" مخالفاً أجواء الانسداد المخيّمة على هذا الاستحقاق، ليوجّه من خلال هذه العبارة رسالة مزدوجة: الأولى، إلى المجموعة الخماسية ومفادها أنّ الثنائي الشيعي ما يزال متمسّكاً بالمبادرة الفرنسية التي شاع بعد اجتماع الدّوحة أنّها انتهت وأنّ لودريان يزور لبنان موفداً لهذه المجموعة وليس لرئيسه ايمانويل ماكرون فقط. والثّانية، إلى الفريق المعارض لترشيح رئيس تيار"المردة" سليمان فرنجية الذي يدعمه "الثنائي" ومفادها أنّ لودريان حمل إلى لبنان ما أحدث "كوّة" في جدار الملفّ الرئاسي متسلّحاً بدعم الخماسية العربية ـ الدولية.


بري استند إلى معطيات متينة تفيد أنّ الحوار المتجدّد بقوة بين "التيار" و"الحزب" أنتج معطيات أحدثت "كوّة" في الجدار الرئاسي

والواقع، أنّ بري استند إلى معطيات متينة تفيد أنّ الحوار المتجدّد بقوة هذه المرّة بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" أنتج إلى الآن معطيات أحدثت "كوّة" في الجدار الرئاسي، يبنى عليها للوصول إلى انتخاب رئيس للجمهورية في أقرب وقت ممكن، وربّما ستكون مهلة الشّهر أو الشّهر ونصف الشهر الفاصلة عن موعد عودة لودريان إلى لبنان منتصف أيلول المقبل، أو قبيله، فرصة لحصول مزيد من المشاورات والحوارات الثنائية أو الثلاثية بين مختلف الأفرقاء أو بين "الثنائي الشيعي" وأفرقاء آخرين. فالحوار الجاري بين "التيار" و "الحزب"، يؤكّد العارفون بشؤونه، بلغ مرحلة متقدّمة وأنّ نهج رفع سقف المطالب والشروط الذي يعتمده رئيس "التيّار" النّائب جبران باسيل هو من "عدّة الشغل" التفاوضية. وسيكون له ما يطلب ولكن في الحدود المعقولة وتحت سقف "اتّفاق الطائف، وأنّ كّل ما يتجاوز هذا السقف ومنه "اللامركزية المالية الموسّعة" سيترك للعهد المقبل كونه يحتاج إلى تعديل دستوري لا يمكن الدخول فيه الآن أوّلاً لضيق الوقت، وثانياً، لانعدام الآليات الدستورية المطلوبة راهناً، خصوصاً في ظلّ تشديد كثيرين على عدم الدخول في أيّ تعديل دستوري من شأنه أن يمسّ "اتفاق الطائف" الذي يعتبره كثيرون في الداخل والخارج "خطّاً أحمر" لا يجوز لأحد تجاوزه إلّا في حالة التوافق الشامل على أيّ تعديل في هذا الاتفاق. وإذا كانت هناك من ضمانات أخرى يطلبها باسيل، فهي موجودة وكان تعهّد له بها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله شخصياً في لقائهما الشهير الذي سبق "الفراق القسري" الذي حصل بينهما إثر هذا اللقاء الذي كان بداية البحث بين الجانبين في الاستحقاق الرئاسي.

باسيل أدرك أنّ "الثنائي الشيعي" وحلفاءه هم المعبر الإلزامي إلى رئاسة الجمهورية 


باسيل أدرك أنّ "الثنائي الشيعي" وحلفاءه هم المعبر الإلزامي إلى رئاسة الجمهورية وأنّ الخارج وفي مقدّمة المجموعة الخماسية يدرك هذه الحقيقة. ولذلك بادر إلى معاودة التواصل والحوار مع حزب الله الذي تلقّف هذه المبادرة، وبدأ بحث جدي وعملي بين الجانبين ستظهر نتائجه العملية خلال آب الجاري، بدليل أنّ قوى المعارضة ارتبكت إزاء هذا الأمر، وأدركت أنّ بيان الدوحة الخماسي إنّما وضع فعلاً مصير الاستحقاق الرئاسي بين الأفرقاء اللبنانيين وأنّ التلويح بالعقوبات هو بمثابة لازمة لا تفيد في شيء إذا لم يحسم هؤلاء الأفرقاء أمرهم توافقاً على رئيس أو تنافساً بين مرشحين اثنين أو أكثر إذا لزم الأمر، وتمّ تكليف لودريان بإدارة هذه العملية تحت عنوان "التشاور" لا "الحوار" الذي يقبل به البعض ويرفضه البعض الآخر.

وفي هذا السياق، يسأل البعض: أين باسيل من خياري فرنجية وقائد الجيش العماد جوزيف عون؟ ويجيبون تلقائياً أنّه سيكون مع الأول خصوصاً أنّ الرجل ارتبك عندما سمع الكلام الإيجابي لرئيس مجلس النواب نبيه بري لنقابة محرري الصحافة اللبنانية ثم لقناة "الحرّة" الأميركية عندما سُئل عن موقفه من ترشيح قائد الجيش، إذ من المعروف أنّ العلاقة بين باسيل والعماد جوزف عون لم تكن سويّة منذ أن عيّنه للرئيس ميشال عون قائداً للجيش، والجميع يعرف حجم الخلاف الذي نشأ بينهما منذ ذلك الحين، رغم أنّ عون الرئيس برّر لقريبين منه يومها هذا التعيين بأنّ عون القائد هو الضابط "الأكثر عداءً" لرئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع.

لكن أبعد من ذلك فإنّ عودة باسيل إلى "عرين" التحالف مع حزب الله، إنّما كانت لاكتشافه الأبعاد الحقيقية لمعركة الانتخابات الرئاسية الحالية، وهي أنّ هذه المعركة ليس حدودها الاستحقاق الرئاسي الحالي وإنّما ترتبط عميقا باستحقاق العام 2029 فهي الآن معركة يخوضها الفريقان المتنازعان على أساس أنّ من يفوز بالرئاسة الحالية يضمن أن تكون رئاسة 2029 من نصيبه. ومن هنا أدرك باسيل هذه الحقيقة ويتوقع أن يسير بخيار فرنجية الذي سيمنحه بدعم الثنائي وحلفائه فرصة أن تكون رئاسة 2029 منقادة إليه، لأن لا فرصة له أن يكون هو الرئيس في الظروف الراهنة لكثير من الأسباب والاعتبارات الخاصّة والعامّة.

فريق المعارضة لن يقدر على تحقيق هذا الهدف لأن معادلة انجاز الاستحقاق الرئاسي ما تزال محكومة بالمبادرة الفرنسية

ومن هنا يمكن فهم إصرار الفريق المعارض وعلى رأسه "القوات اللبنانية" على الضغط بكلّ الوسائل الداخلية والخارجية المتاحة لديه لمنع وصول فرنجية إلى رئاسة الجمهورية، لأن ّهذا الفريق يعتقد أنّه إذا فاز بمرشح من صفوفه برئاسة الجمهورية يضمن أن تكون رئاسة 2029 من نصيب جعجع أو من يشبهه. كما أنّ هذا الفريق يعتبر أنّه إذا نجح حالياً في الفوز برئاسة الجمهورية وأقصى ما يسمّيه "المنظومة" عنها، سيضمن أن تبقى الرئاسة مستقبلاً له.

إلّا أنّ العارفين يقولون أنّ فريق المعارضة لن يقدر على تحقيق هذا الهدف لأن معادلة انجاز الاستحقاق الرئاسي ما تزال محكومة بالمعادلة التي تقوم عليها المبادرة الفرنسية أو أيّ معادلة جديدة يمكن أن تطرح بديلاً منها، وهي أنّ رئيس الجمهورية سيكون من حصة الثنائي الشيعي وحلفائه من بقية "النحل والملل" السياسية والطائفية فيما سيكون رئيس الحكومة من حصّة الفريق الآخر بكل "نحله وملله" السياسية والطائفية...

على أنّه سيكون على الثنائي وحلفائه بعد أن يضمنوا انضمام التيار الوطني الحر إليهم أن يعملوا على تأمين نصاب اكثرية الثلثين لانعقاد الجلسة ولانتخاب فرنجية في دورتيها بالأكثرية المطلقة أو الموصوفة. وهنا سينصبّ الاهتمام على كتلة "اللقاء الديموقراطي" وهذا سيكون على همّة بري تحديداً، وكذلك بعض النواب والكتل النيابية السنية، ولكن الاقتناع الرّاسخ هو أنّ هؤلاء جميعا ينتظرون مناخ الموقف السعودي في اللحظة المناسبة. فإن جاء في مصلحة فرنجية (وهذا ما يرجّحه البعض)، ينتخب الرئيس في أيلول. وإذا جاء عكس ذلك لن يكون في مقدور الفريق المعارض أن يفوز بمرشّحه هو الآخر سواء كان قائد الجيش أو غيره... وفي هذه الحال سيتمدّد الفراغ الرئاسي إلى ما بعد ايلول، وربما إلى أجل طويل لا يمكن التكهّن بمداه... وإنّ غداً لناظره قريب...