"التاريخ" في لبنان "يجترّ" حاله، ولا "يكرّر نفسه" كما توقّع فلاسفة عظماء أمثال نيتشه وماركس. فالأحداث التي "تُبلع"، في بلدنا العزيز لا تلبث أن تعود لتُمضغ من جديد، ومن ثم تبلع غصباً.. وهكذا دواليك. والسّبب، لا يعود إلى علّة ماورائية، إنّما لأنّ القرارات المبتلعة مهضومة جزئياً، أو غير مهضومة كلّيّاً. وهذا ما ينطبق "حفراً وتنزيلاً" على قرار مجلس الوزراء رقم 22 تاريخ 18 نيسان 2023 المطعون به أمام مجلس شورى الدولة.

في جلستها المنعقدة بتاريخ 22 نيسان مرّرت حكومة تصريف الأعمال قراراً تضمّن ما يلي: "بعد المداولة في مجلس الوزراء، وسنداً للمواد 70 و71 و174 من قانون النّقد والتسليف، قرّر المجلس الطّلب من المصرف المركزيّ اتّخاذ الإجراءات الضرورية والمناسبة لإلزام المصارف بسقف السحوبات المتاحة للمودعين - سحباً أو تحويلاً - وفقاً للتعاميم ذات الصّلة، وإلّا التعامل بشكل يساوي في ما بينهم، وعدم إعطاء أولوية لوديعة على أخرى، أو على أيّ التزام آخر بالعملة الأجنبية، مهما كان نوعه أو مصدره، والاستمرار بمنح عملائها حرّية التصرف بالأموال الجديدة".

التّعاميم التي تنظّم سحب الودائع، هي:

- التعميم 151، يسمح بسحب 1600 دولار بالليرة على سعر صرف 15 ألف ليرة، وهو في المناسبة سعر الصّرف الرسميّ للدولة اللبنانية.

- التعميم 158، يسمح بسحب 400 دولار شهرياً "فريش" أو 300 دولار لكلّ من يريد الاستفادة من التعميم بعد تاريخ 1 تموز 2023.

- التعميم 161، يتيح لعملاء المصارف لمرّة واحدة شهرياً تبديل الليرات بدولارات نقدية وفقا للسعر اليومي المعلن على منصة صيرفة. وهو سعر يقلّ عن سعر الصّرف في السوق الموازية. فيحقق المتداولون و"المضاربون" ربحاً يتراوح بين 10 و40 في المئة. تبعاً لتطورات سعر الصرف.

القانون هو القاعدة الأسمى

مقدّم الطّعن المحامي الدكتور باسكال ضاهر قال في حديث صحافي إنّ "القرار الصّادر عن مجلس شورى الدولة اليوم أعلن أنّ القانون هو القاعدة الأعلى والأسمى في الجمهورية اللبنانية. ويُمنع على أيّ سلطة أو جهة مخالفة أحكامه، وأن تحيد عن أهدافه. وبالتّالي ممنوع على الحكومة اللبنانية أن "تهرطق" وأن تعمل على إسباغ المشروعية المفقودة على التّعاميم الصّادرة عن المصرف المركزي".

نتائج القرار

القرار بوقف تنفيذ القرار 22 سيؤدّي إلى واحدة من النتائج الثلاث التالية:

- توقّف مصرف لبنان عن العمل بالتعاميم الثلاثة المذكورة والعودة إلى تسديد الودائع بالليرة اللبنانية على سعر الصّرف الرّسميّ، 15 ألف ليرة. وهذا ما حصل بالضبط عقب الطعن بالتعميم 151 أمام مجلس الشّورى. حيث عادت المصارف لتسديد الودائع بحسب سعر الصّرف الرسمي آنذاك، 1500 ليرة، وليس 3900 ليرة. فأحدث القرار بلبلة في صفوف المودعين ورفضاً له. فتهافتوا على المصارف لسحب حصتهم على 3900 قبل البدء بتنفيذ القرار. فما كان من السّلطة إلّا أن جمعت رئيس مجلس الشورى وحاكم المركزي في بعبدا، وجرى الاتّفاق على أنّ المركزي لم يتسلّم القرار، واستمرّ بالتالي تنفيذ التعميم 151. ذلك مع العلم أنّ الطعن كان بهدف تسديد الودائع بالدولار.

- أن يستمر المركزي بتنفيذ تعاميمه، ولا يعير أي اعتبار لوقف تنفيذ المادة 22 المطعون بها. وذلك على اعتبار أنّ "المستدعى ضدّه مصرف لبنان تقدّم بتاريخ 2023/6/12 بلائحة جوابية طلب فيها إخراجه من المحاكمة كونه ليس مصدر القرار". وبحسب ردّ المركزي فإنّ "القرار المطعون فيه هو من قبل التوصيات والطلبات التي لا تنشئ أوضاعاً قانونية جديدة. إذ أنّ مصرف لبنان لا يُؤمر، بل يطلب منه. (والقرار) هو توجهات صادرة عن مجلس الوزراء، وليس له أي طابع تنفيذي. ولا صفة ولا مصلحة للمستدعية للطعن، إذ إنّ القرار أصلاً لا يلحق أي ضرر لأنّه غير نافذ. وإنّ الحد من سحب الأموال هو ناتج عن تعاميم مصرف لبنان وليس من القرار المطعون فيه. وإنّ صلاحية مصرف لبنان مستمدّة من الحكومة، وليس هنالك بالتّالي أيّ تعدّ على السلطة التشريعية. إنّ القرار المطعون فيه لا يخالف مبدأ المساواة إذ يمكن للجميع الاستفادة منه بدون تفرقة".

- أن يعمد المركزيّ إلى وقف العمل بالتعاميم القديمة وإصدار تعاميم جديدة في الإطار نفسه. وهذا المبدأ متعارف عليه في القانون الإداري. وفي جميع الحالات فإنّ الطّعن وقرار وقف التنفيذ لأيّ قرار يتطلّب اشهراً طويلة.

أخبار مضللة

أمام هذا الواقع بدأت تتوارد أخبار عن أنّ المجلس المركزي، الذي سيتسلّم دفة المركزي من بعد 31 تموز، في صدد بحث قرار مجلس شورى الدولة وتداعياته لجهة تعليق العمل بتعاميم161و158 لأنّها غير قانونية، ولم تنتج عن قانون من مجلس النواب يغطّي هذه التعاميم بعد قرار مجلس شورى الدولة اليوم، مما سيحمّلهم مسؤولية في ما بعد، مع نهاية ولاية الحاكم. ولكن سرعان ما نفى نوّاب الحاكم صحّة هذا الخبر جملةً وتفصيلاً.

في الوقت الذي تعتبر فيه مصادر معنيّة بحماية المودعين، أنّ هناك جهات تستغلّ قرار الشورى لتخويفهم، وبأنّهم سيعودون للاستحصال على ودائعهم على سعر الصّرف الرسميّ، يعتبر مصدر حقوقي أنّ "هذه الإشاعات عارية عن الصّحّة". فالتعاميم ليست إلزامية. وهي تشكّل المتنفّس الأخير للمودعين للحصول على أموالهم. خصوصاً في ما يتعلق بالتعميم 158 الذي يردّ الوديعة من دون أي اقتطاع "هيركات"، من بعد تعديله مؤخراً. والأهمّ أنّ ما ورد في متن جدول مجلس الوزراء هو توصية بإيجاد حلّ نهائي لودائع المواطنين، وليس قراراً ملزماً. وهذا الحلّ يقتضي أنّ الجميع سيخسر. ومن ضمنهم المودعين. وبحسب المصدر فإنّ القرار 22 لم يجر التوافق عليه أصلاً في مجلس الوزراء ولم يحظَ بالنّقاش اللازم. لأنّ أحداً من الوزراء لا يتجرّأ على السير بمثل هذا القرار".

أخطر ما يجري اليوم لا يتعلّق بالقرارات التي تتّخذ، إنّما بعدم وجود أموال أصلاً بالنظام المصرفي. وحتّى لو جرى إقرار قانون لـ “الكابيتال كونترول" وتشريع "الهيركات"، فإنّ المصارف عاجزة عن تسديد متوجباتها. ولعلّ مثل قرارات الطّعن التي تتّخذ بنيّة حسنة، لا تخدم إلّا المصارف التي كلّ ما يهمّها هو التوقّف عن دفع الدّولات النّقديّة المتعلّقة بالتعميم 158.

إنّها "متلازمة الاجترار" التي عمّقها الانهيار. فالأحداث التي لطالما كانت تعيد نفسها مراراً، لم تصل في أيّ مرحلة إلى هذا المستوى من التكرار العقيم وبفارق زمني قصير. والمشكلة أنّه لا يبدو في الأفق أيّ بوادر إيجابية لكسر هذه الحلقة الجهنّمية.   

أخطر ما يجري اليوم لا يتعلّق بالقرارات التي تتّخذ، إنّما بعدم وجود أموال أصلاً بالنظام المصرفي