بعد الضجّة التي أحدثتها قضية "التيكتوكرز"، التي هزّت الرأي العام اللبناني، خرجت أصوات تطالب بحجب موقع "تيك توك" في لبنان لما يشكّله من مخاطر وما له من تأثير سلبي على شباب هذا الجيل  شاباته، ولا سيما على الأطفال. واشتدّت الحملة على "تيك توك" بعدما أظهرت التحقيقات أنّ الأطفال الذين جرى اغتصابهم وتصويرهم كانوا قد استدرجوا من قبل الذين نسمّيهم بـ"المؤثرين"، عبر ترغيبهم في تصوير إعلان، أو في الظهور معهم في مقطع فيديو قد يجعل منهم مشهورين. ليُساق الأطفال بعدها إلى شاليه في نهر الكلب، حيث اعتُدي عليهم بعد تخديرهم.  

وقد تكون ردّة فعل الأهالي، أو كلّ من دعا إلى إقفال الموقع، في منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، طبيعية ونابعة من غضب، لكون ما حدث قد شكّل صدمة حقيقيّة للرأي العام، وزرع الخوف في كلّ بيت. خوف من أن تحرق نيران "تيك توك" أولاداً آخرين في ظّل هذا العصر السريع، الذي أصبح فيه وجود كلّ أمرئ على مواقع التواصل الاجتماعي "ضرورة"، وكلّ من لا يشبك في هذه الشبكة العنكبوتيّة، يصبح مهمّشاً، وبعيداً من العالم وأخباره، فيما رقابة الأهل محدودة. فهم بدورهم مشغولون في تأمين لقمة العيش وسط موجة التضخّم التي تضرب العالم، أو جاهلون طرائق الحماية الإلكترونية، التي يستطيعون عبرها تجنيب أولادهم جزءاً كبيراً من مخاطر العالم الرقمي وتهديداته. فهل يكون الحلّ فعلاً في حظر موقع "تيك توك" في لبنان؟ 

دول حظرت "تيك توك" 

إذا اتجه لبنان إلى حظر "تيك توك" فلن يكون الدولة الأولى التي تفعل ذلك، إذ سبقته دول عدّة لأسباب مختلفة، بعضها يتعلّق بالمحتوى الذي يروّج له الموقع، إضافة إلى أمن البيانات والخوف من الهجمات السيبرانية. 

حظرت الهند الموقع بعد تصاعد التوترات مع الصين في 2020 إثر مقتل 20 جندياً هندياً في اشتباك حدودي مع القوات الصينية في جبال الهيمالايا. 

وأعلنت نيبال حظراً على "تيك توك" في أواخر العام الماضي، والسبب هو "استخدامه باستمرار لمشاركة المحتوى الذي يزعج الانسجام الاجتماعي". 

وحظرت مؤسسات صنع السياسة في الاتحاد الأوروبي، والبرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية والمجلس الأوروبي، الموقع من هواتف الموظفين العام الماضي للحماية من "تهديدات الأمن السيبراني والإجراءات التي قد يُستغلّ في الهجمات الإلكترونية". 

وحظرت كندا تنزيل التطبيق على جميع الهواتف الصادرة عن الحكومة في شباط 2023، لما "يمثل الموقع من مستوى غير مقبول من المخاطر على الخصوصية والأمان". 

وأعلنت بريطانيا حظر "تيك توك" على أجهزة وزراء الحكومة وموظفي الخدمة المدنية العام الماضي خوفاً على أمن معلومات الدولة. كما حظرت أستراليا الموقع من جميع الأجهزة المملوكة للحكومة الفيدرالية العام الماضي بعد طلب المشورة من وكالات الاستخبارات والأمن.  

واتخذت تايوان خطوة مماثلة وحظرت التطبيق على الأجهزة الحكومية في عام 2022، مستشهدة بالأمن السيبراني الوطني لفرض حظر في القطاع العام. 

وفي آذار 2023، وافق المشترعون على حظر "تيك توك" على الأجهزة المحمولة التي يمكنها الوصول إلى الشبكة البرلمانية النيوزيلندية. 

وفي السنوات الأخيرة، حظرت السلطات في باكستان الموقع عدّة مرات قبل التراجع عن قرارها، بعد تلقّي شكاوى بشأن "محتوى غير أخلاقي وغير لائق". 

وحظرت إندونيسيا مؤقّتاً "تيك توك" في عام 2018، بسبب مخاوف "من المواد الإباحية والمحتوى غير اللائق والتجديف". رُفع الحظر عقب أقلّ من أسبوع بعدما وافق التطبيق على فرض رقابة على بعض محتوياته. 

وانضمّت الصومال في آب 2023 إلى قائمة البلدان التي تتخذ إجراءات ضد الموقع، بعد مخاوف من انتشار "المحتوى الفاضح" و "التأثير الضارّ على الشباب". 

كما تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى حجب "تيك توك"، لما له من تأثير كبير على نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية. 

في 25 أذار 2024، أعلنت وزيرة الاتصالات العراقية هيام الياسري عن تقديم طلب إلى مجلس الوزراء لحجب الموقع. وأوضحت أنّ الوزارة لن تنفّذ الحجب إلّا بعد قرار حكومي صادر عن مجلس النواب والحكومة العراقية.

تأتي الخطوة بعد دعوات متكررة إلى حظر الموقع من قبل الذين اعتبروا المحتوى المعروض مسيئاً إلى قيم المغاربة، خاصة مع مشاركة أشخاص معظمهم من الشباب فيديوهات، وهم يرقصون أو ينفذون تحديات تتضمن مشاهدة عنيفة، أو ذات إيحاءات جنسية، بحسب المنتقدين للمنصة. 

وكان البرلمان المغربي قد ناقش أيضاً مطلع العام الجاري اقتراحاً بشأن إغلاق موقع "تيك توك" بسبب تأثيره على بعض الفئات العمرية، لا سيما الشباب والمراهقين. 


4 ملايين مستخدم في لبنان  

في هذا الإطار، اعتبر الخبير التكنولوجي، رودي شوشاني، أنّ "تيك توك" هو أكثر منصّة توفّر المال لمستخدميها، وتحوي نسب مشاهدات عالية جداً، وتفوّقت على فايسبوك وإنستغرام وغيرهما من التطبيقات. مشيراً إلى أنّه "في لبنان ما يقارب الـ5 ملايين مستخدم للإنترنت، وهو رقم كبير بالنسبة إلى المنطقة العربية، ومن بينهم، 3.92 مليون مستخدم لـ"تيك توك"، وفق إحصاءات نيسان 2024، مقابل مليوني مستخدم لإنستغرام، أي حوالى الضعفين، وتراوح أعمار النسبة الكبرى من المستخدمين بين 18 و35 عاماً، أمّا الجزء الأكبر من المستخدمين فهم من الرجال، (70 في المئة، و30 في المئة نساء)". 

وعن الأرباح الماليّة التي يحققها المستخدمون، قال شوشاني "كلّ مستخدم يتجاوز عدد متابعيه المليون، يحقّق أرباحاً شهرية بين 165 و 248 دولاراً على كلّ منشور. أمّا إذا كان عدد المتابعين قد تخطّى الـ10 ملايين، فيراوح البدل المادي على كلّ منشور بين الـ1600 و الـ2400 دولار. أمّا إذا زاد عدد المتابعين عن الـ25 مليوناً فيحقّق صاحب كلّ فيديو أرباحاً تقدّر بين الـ40 والـ60 ألف دولار. وذلك وفق influencer marketing tools. وبحسب hype auditor، وهو موقع ينشر أسماء أقوى المؤثرين على "تيك توك" حول العالم، فيظهر أنّ المؤثّرة عبير الصغير، التي تخصص محتواها لوصفات الطبخ جذبت أكثر من 25 مليون متابع، وعلى إنستغرام 7 ملايين متابع، وهو ما أتاح لها فرصاً عالمية، فكُرّمت في دبي من ضمن أفضل صنّاع المحتوى". 

نسب الأرباح 

ولفت شوشاني إلى أنّ الثورة التكنولوجية استولدت ما يعرف اليوم بالاقتصاد الرقمي، وهو الذي شكّل نقلة مختلفة في مجال الترفيه والإعلام، إذ أصبحنا نعيش في عصر الـ web3. فالـ web1 هو أوّل انترنت عرفها العصر، والـ web2 هي الانترنت ما قبل العام 2020، أمّا الـ web3 فسمحت لصنّاع المحتوى بتحقيق إيرادات من خلال منصّات التواصل الاجتماعي". 

وما ميّز  موقع"تيك توك" من مواقع أخرى، برأي شوشاني، "هو أنّه سمح لمستخدميه تحقيق مبالغ أكثر بكثير من سائر المواقع، إذ لم يرتكزوا على الإعلانات فقط، بل على التفاعل بينهم وبين الجمهور، وخلقوا مصطلحاً جديداً هو "الداعم"، وهذا ما جعل معظم المواقع تحذو حذوه. فإذا أعطى الداعم المؤثّر أسداً على سبيل المثال، ثمن الأخير 400 دولار، يحصل المؤثّر منه على قرابة الـ 50 في المئة، أيّ 200 دولار ويذهب المبلغ الآخر إلى شركة "تيك توك"، وهذا أمر معروف.  

"وفي لبنان أكثر من 200 مؤثّر يحصلون على مداخيل من "تيك توك" تتخطى الـ100 مليون دولار"، بحسب شوشاني، "وينضمّ إلى هؤلاء ألف مؤثّر يجنون حوالى الـ50 مليون دولار، وهي أرقام خياليّة. حتى أنّ بعض المؤثّرين يتقاضون بين الـ10 آلاف والـ20 ألف دولار مقابل التسويق لمنتج أو حضور حفل، أو ارتداء قطعة ما (ملابس، مجوهرات...) ونشر الفيديو على "تيك توك". وعليه، أصبح "تيك توك" أيضاً موقعاً رئيسيّاً لشركات الإعلانات ولتسويق المنتجات. وشهدنا أيضاً ممثلين ومشاهير يلجأون إليه من أجل تأمين أموال إضافية. كما سمح هذا الموقع لكلّ من خسر وظيفته بتأمين مردود شهري". 

ويسأل شوشاني "من سيعوّض هذه المبالغ على الاقتصاد اللبناني في حال حظر "تيك توك" في لبنان؟". 

لا شكّ في أنّ "تيك توك" يسمح بالترويج لمحتوى فارغ يتناقض ومبادئنا، يقول شوشاني، "ما ينشر فكر الربح السريع والسهل بين فئة الشباب، إلاّ أنّ لهذا التطبيق الكثير من الإيجابيات، وبالتالي "تيك توك" أداة تختلف نتائجها بحسب فكر مستخدميها. ففي الولايات المتحدة الأميركية حقق "تيك توك" عائدات بحوالى الـ14.7 مليون دولار لأصحاب الأعمال الصغيرة، وأمّن حوالى الـ240 ألف وظيفة. ولا تقتصر الوظائف التي يؤمنها "تيك توك" على صانعي المحتوى، بل يستفيد منها أيضاً المصورون، ومحرّرو الفيديو، ومصممو الغرافيكس وكلّ من يربط عمله بعالم صناعة المحتوى، وهو بالتالي يوفّر حوالى 3 وظائف لكلّ مؤثر". 

وتبقى الأهميّة الاقتصاديّة لـ"تيك توك" كبيرة جداً، على الرّغم من المخاطر التي ترافقه. لأنّها ليست محصورة بالتطبيق نفسه، بل هي منتشرة في جميع المنصّات، وقد تُصادفنا أينما ذهبنا في هذا العالم الافتراضي. فحتى "إكس" يسمح بنشر موادّ إباحية، فيما إنستغرام لا يقلّ محتواه خطورة عن "تيك توك"، أمّا قضايا الابتزاز الإلكتروني فكان "فايسبوك" بطلها على مدى سنوات عدّة. ليست العبرة في حجب التطبيق، إنّما في معرفة كيفيّة استخدامه، والسيطرة على المحتوى الذي يقدّمه، ومراقبة ما يشاهده أطفالنا، ونشر التوعية، وإنشاء علاقة متينة معهم، تسمح لنا بحمايتهم من أخطار العالم الرقمي.