دخل الاقتصاد اللبناني، في السنوات التي تلت الانهيار، حلقة مفرغة محورها زيادة خجولة على الأجور وارتفاع وَقِح لأسعار السلع والخدمات. والمفارقة أنّ هذه المعادلة لم تقتصر على القطاع العام، الذي موّل "الزودات" من طبع الأموال، إنّما انسحبت أيضاً على القطاع الخاص المُنتج. ولن يشذّ الرفع الأخير للحدّ الأدنى للأجور، وزيادة التقديمات الاجتماعية عن هذه القاعدة.

أقرّت لجنة المؤشر يوم الثلاثاء 19 آذار الزيادة الرقم 5 منذ بدء الانهيار، على مداخيل الأجراء والمستخدمين في القطاع الخاص. فرفعت الحدّ الأدنى للأجور من 9 ملايين ليرة إلى 18 مليوناً. وزادت المنحة التعليمية من 3 ملايين ليرة إلى 4 ملايين في المدارس الرسمية، و12 مليوناً في المدارس الخاصة. يضاف إليها بدل نقل بقيمة 450 ألف ليرة عن كلّ يوم حضور فعلي، و21 يوماً في الشهر حدّاً أقصى، كانت قد أقرّته الحكومة في 10 شباط الماضي.

الحد الأدنى يتضاعف

من حيث الشكل، تضاعف الحدّ الأدنى للأجور، إنّما فعليّاً بقي أقلّ بـ 71 في المئة من الحدّ الأدنى لتأمين المتطلّبات الحياتية، والمقدّر بـ 62 مليون و500 ألف ليرة على سعر صرف السوق 89500 ليرة "، يقول رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبد الله. "وإذا كان مفهوماً رفض أرباب العمل إدراج كلّ ما يتقاضاه العامل في صلب الحدّ الأدنى، لتجنّب زيادة أعبائهم في الضمان الاجتماعي، فإنّ المستغرب هو موقف ممثّلي العمّال". فالاتحاد العمّالي العام الذي رفع سقف مطالبه إلى 52 مليون ليرة، "ملأ الماء فاه"، بحسب عبدالله. كذلك فعل "اتحاد الوفاء لنقابات العمال"، الذي كان يطالب بـ 45 مليون ليرة حدّاً أدنى للأجر. "وهو ما يدلّ على اتفاق مختلف أركان السلطة على استمرار الإجحاف بحقّ العمّال. وذلك على الرّغم من تحقيق القطاع الخاص أرباحاً تفوق تلك المحقّقة قبل الانهيار. والدليل: عودة العديد من القطاعات والمؤسسات إلى دفع أجور بالدولار تناهز ما كان يدفع قبل العام 2019، وتعمد المؤسسات إلى عدم التصريح عن العمّال. وتالياً، التنصّل من كلّ مستحقاتهم الاجتماعية، والإمعان في استخدام العمالة الأجنبية المتحرّرة من أيّة ضمانات وظيفية. ويكفي معرفة أنّ هناك 1500 سائق شاحنة أجنبي من أصل 3000 يعملون في المرفأ لنستدلّ على حجم الإجحاف بحقّ العمّال".

المساعدات الاجتماعية غير قانونية

النّقص الكبير في الحدّ الأدنى للأجور، والذي لم يتجاوز الـ 50 في المئة ممّا كان عليه قبل العام 2020، تعوّضه أكثرية المؤسسات بالمساعدة الاجتماعية. أي المبالغ التي تدفع شهرياً بشكل منتظم من دون أن تدخل في صلب الراتب. وذلك لتجنّب دفع الاشتراكات عليها للضمان الاجتماعي، وعدم تسديد فرق كبير لتعويضات نهاية الخدمة. "وهذا مخالف لقانون العمل"، بحسب النقابي أديب أبو حبيب. "فالأجر يجب أن يتضمّن كلّ ملحقاته. وهناك مادّة واضحة في قانون الضمان الاجتماعي تلزم أصحاب العمل بإدخال ملحقات الأجر من ساعات عمل إضافية، وإكرامية رأس السنة، والمساعدات المدرسية إلى أساس الراتب. كما أنّ وزير العمل السابق شربل نحاس طالب باعتبار بدل النقل أيضاً من متمّمات الراتب ويلحق بصلبه. وعلى المؤسسات أن تصرّح عن كلّ هذه المبالغ للضمان الاجتماعي وتدفع الاشتراكات عنها". وانطلاقاً من هذه الاعتبارات كلّها، فإنّ ما سيدفع على أساس أنّه الحدّ الأدنى للأجور "يخالف قانون العمل، الذي ينصّ بشكل واضح وصريح على أنّ الحدّ الأدنى يجب أن يكون كافياً لسدّ حاجات الأجير وعائلته"، يقول أبو حبيب. فهل الـ18 مليون ليرة كافية؟

الأسعار ترتفع أضعافاً مضاعفة

بحسبة سريعة، ومن دون الدخول في المصاريف اليومية النسبية للمأكل والمشرب، يتبيّن أنّ تسديد اشتراك المياه الذي أصبح 15 مليون ليرة يقتطع راتب شهر من أصل 12 شهراً. في حين أنّ قيمة رسوم الاشتراك في الكهرباء مع استهلاك أقلّ من 100 كيلوواط شهرياً تقتطع راتبا ثانياً. والمتبقّي 10 رواتب يجب أن تكفي لتسديد بدل الإيجار وإجراء المعاملات والتنقّل وشراء المياه والكهرباء من مصادر بديلة بسبب عدم قدرة الدولة على تأمين الخدمات الأساسية، وتسديد أقساط المدارس وغيرها الكثير الكثير من المتطلّبات. وهذا أمر مستحيل.

ما يزيد الطين بلّة أنّ زيادة الأجور تعقبها سريعاً زيادة في الأسعار. وعلى سبيل المثل لا الحصر، رفع السائقون العموميون تعرفة النقل "السرفيس" إلى ما بين 200 و250 ألف ليرة، فور إقرار رفع بدل النقل في القطاع الخاص من 250 ألف ليرة إلى 450 ألفاً. وقد أصبحت تكلفة السرفيس تعادل 2.2 دولار، أي أعلى بـ 9 في المئة ممّا كانت عليه في العام 2019 قبل الأزمة، أي نحو دولارين يعادلان 3000 ليرة على سعر صرف 1500 ليرة.

الطامة الكبرى ستكون العام المقبل لدى تحديد أقساط المدارس. فمع زيادة المنحة التعليمية إلى 12 مليون ليرة، تعادل 134 دولاراً، لن تقلّ أقساط المدارس الخاصّة عمّا بين 50 و70 في المئة عما كانت عليه في العام 2019. وتقدّر المستشارة القانونية في اتحاد لجان الأهل في المدارس الخاصة مايا جعارة نسبة الزيادات التي لحقت بالأقساط هذا العام بالدولار ما بين 30 و 40 في المئة ممّا كانت عليه قبل الانهيار، وبمعدّل وسطي هو 2000 دولار. ذلك مع العلم أنّ المنحة التعليمية للتلامذة في المدارس الخاصّة خسرت 73 في المئة من قيمتها، فأصبحت 134 دولاراً بعدما كانت تعادل 500 دولار في العام 2019.

إهمال السلم المتحرك للأجور

"مشكلة الأجور في القطاع الخاص لا تحلّ إلّا باعتماد السلم المتحرك للأجور"، برأي أديب أبو حبيب. وهو أحد أهمّ المطالب التاريخية للحركة النقابية، ويقضي برفع الأجر تلقائياً، بمجرّد ارتفاع مؤشّر غلاء المعيشة، ومن دون الحاجة إلى مطالبات، وإضرابات، واجتماعات بين العمّال وأرباب العمل بقيادة الدولة ممثّلة بوزارة العمل". وهذه الآلية معمول بها في فرنسا وإيطاليا وغيرهما من الدول، التي لا تثبت أجورها، إنّما تتركها محرّكة بالتوازي مع التضخّم". إنّما في لبنان حدث العكس بعد انتهاء الحرب الأهلية في التسعينيات. إذ كانت الخشية من ارتفاع التضخّم نتيجة زيادة الأجور وليس العكس. وذلك بسبب طبيعة الاقتصاد اللبناني المركّبة، والتي تعتمد بشكل أساسي على الاستيراد من الخارج. فاقترح آنذاك الرئيس الشهيد رفيق الحريري "دعم الأجر"، يقول أبو حبيب الذي كان مشاركاً في المفاوضات. "فتمّ تحصيل بدل النقل والمساعدة المدرسية. كخطوة تهدف إلى تخفيف الأعباء عن العمال".

تفيد تصاريح عمّال في العديد من القطاعات بأنّ مؤسساتهم ستقتطع الزيادة الجديدة من المساعدات الاجتماعية التي تعطيها. وتالياً، لن ينعكس رفع الحدّ الأدنى للأجور زيادةً في المداخيل، ولو أنّه يرفع تعويض نهاية الخدمة في الضمان. وسيتحمّل العمّال في المقابل ارتفاعات جديدة في الأسعار نتيجة هذه الزيادة. فيصبح التصحيح كالحلوى التي يشرب وراءها ماء ارتفاع الأسعار. فكأنّ العامل لا أكل أو شرب.


منذ بدء الانهيار في العام 2019 جرى تعديل الأجور في القطاع الخاص 5 مرات.
المرة الأولى في أيار 2022 عندما أضيف إلى الحد الأدنى المحدد بـ 675 ألف ليرة مبلغ مليون و325 ألفاً كزيادة غلاء معيشة. ليصبح الحدّ الأدنى مليونَيْ ليرة.
المرة الثانية في تشرين الاول 2022، أضيف إلى المليوني ليرة مبلغ 600 ألف. فارتفع الحد الأدنى إلى مليونين و600 ألف.
المرة الثالثة في كانون الثاني 2023 عندما أقرت لجنة المؤشر زيادة 1.9 مليون ليرة على الأجر ليصبح 4.5 مليون ليرة، إنّما هذه الزيادة لم تٌثبّت.
المرة الرابعة في شباط 2023، رفع الحدّ الأدنى إلى 9 ملايين ليرة.
المرة الخامسة في آذار 2024، رُفع الحدّ الأدنى إلى 18 مليون ليرة.