قبل أن يكون رجل أعمال دولياً لامعاً وأحد أقطاب الصناعة في فرنسا ورجلاً يتودّد إليه مسؤولون رسميون وسياسيون في أكثر من بلد بدون أن يكون مهتمّاً بالسياسة أو المناصب، كان اسكندر صفا، ونناديه ساندي تحبّباً، رجلاً متواضعاً يتعمّد الابتعاد عن النجومية والأضواء، وصديقاً وفياً لا ينسى أيّاً من الذين نشأ معهم في الحي أو في المدرسة، وربّ عائلة سهر على رعايتها وصونها وتوفير متطلّباتها، وعلى تنشئة ولديه بما يليق بالتربية التي تلقّاها هو وشقيقه أكرم على يد والديهما. كان أيضاً من كبار هواة جمع الأعمال الفنية والتحف، ومحسناً كريماً لا تعرف يده اليسرى ما تقدّمه اليمنى، فضلاً عن أنّه يتمتّع بروح الدعابة، إلى حدّ أنّ أياً من أصدقائه لم ينجُ من مقالبه الظريفة.

منذ صغره في الصفوف الأولى في المدرسة كان أطول من معظم أقرانه، وقد ذكّرني صديق من رفاقنا في سنوات الدراسة الأولى، وكان قصير القامة، بأنّ ساندي كان يهبّ لحمايته كلّما تعرّض لتنمّر أو حاول أحد "لطش عروس اللبنة" منه. وفي المرحلة الثانوية، استهوته الرياضة فمارس رمي القرص، وفي سنته الأولى، حطّم الرقم القياسي للناشئين برمي القرص مسافة تزيد عن عشرة أمتار وهو لم يكمل الثامنة عشرة. بعد ذلك ابتعد عن الرياضة التنافسية لكنّه ظلّ مواظبا، على الرياضة كنظام حياة يمارسها مرّتين في اليوم على الأقلّ لمدّة ساعة صباحاً ومساءً. حتّى أننا حين كنّا في كلّ مطلع شهر أيار نسير على درب السماء إلى مزار سيّدة لبنان في حريصا، كنا نبدأ السير معاً لكننا كنّا نصل بعده بنحو ربع ساعة.

وولعه بالرياضة جعله يتوجّه إلى الاهتمام بقضيّة نبيلة إذ ترأس الأولمبياد اللبناني الخاص وأتاح للرياضيين من ذوي الاحتياجات الخاصّة أن يتباروا في الألعاب البارالمبية.
توفّي والده أديب صفا، وهو في سنّ العاشرة. فتحوّلت والدته دعد إلى أمّ وأب وشقيقة كبرى ومعلّمة وناصحة. من والده تعلّم النزاهة والاستقامة. ومن والدته أخذ الحزم والعزم وصلابة الإرادة.
هاتان التنشئتان البيتية والمدرسية طبعتا مسيرته المهنية بعد تخرجه مهندساً مدنياً من الجامعة الأميركية في بيروت. ففي باكورة نشاطه المهني عمل في هيئة ميناء بالتيمور نحو ثمانية أشهر غادر بعدها إلى المملكة العربية السعودية، ثمّ توجه إلى باريس لنيل شهادة الماسترز في إدارة الأعمال من معهد INSEAD. وبقي في باريس حيث خطّ تاريخاً يتمثّل في المنجزات التي حققّها في فرنسا وفي غيرها من دول العالم.

فقدنا عزيزاً غالياً كان شعلة نشاط متوهجة ورجل مبادئ لم يُغرِه المجد الباطل ولا الربح السريع
في الثمانينيات اشترى حوض بناء السفن الشهير CMN في مدينة شيربور وأحياه بتأمين عدد من الطلبات من دول كانت تريد شراء سفن لسلاح بحريتها. ومن شربور توسّعت أعماله المتعلقّة بالسفن وأحواضها لتمتدّ إلى المملكة المتحدة وألمانيا واليونان والإمارات العربية المتّحدة.
واهتمّ أيضاً بقطاع العقارات فتوسّع فيه ونشط في فرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا ولبنان وجمهورية الدومينيكان، موطن زوجته. واهتمّ أيضاً بمشاريع الضيافة إذ تملّك عدداً من الفنادق في فرنسا وإيطاليا وغيرهما إضافة إلى عدد من المطاعم المذكورة في تصنيف ميشلان.
ومع ذلك، فإنّ ما جعل اسمه متداولاً في فرنسا ولبنان وسوريا ولاحقا في دول عربية وأجنبية أخرى هو نجاحه في الوساطة التي شارك فيها لإطلاق سراح الرهائن الفرنسيين الذين خُطفوا في لبنان في الثمانينيات.  

في الثمانينيات خُطِف مواطنون فرنسيون في لبنان وحاولت فرنسا تأمين إطلاق سراحهم عن طريق التفاوض مع الحكومة السورية، باعتبار أنّ سوريا كانت القوة المهيمنة في لبنان. وحين فشلت الجهود الفرنسية تنبّه وزير الداخلية الفرنسي آنذاك شارل باسكوا إلى أنّ لديه صديقاً لبنانياً شاباً يعرف المنطقة وثقافتها ويتمتّع بأفكار خلّاقة، فاستشاره وأعجب بالجواب، فطلب منه الانضمام إلى الوفد المفاوض برئاسة مدير مكتبه. والفكرة كانت أنّ التفاوض يجب أن يكون مع إيران لأنّ لها ملفّات عالقة مع فرنسا، لكن التفاوض لا يمكن أن يستبعد دمشق لأنّها صاحبة اليد الطولى في لبنان.  
ومع هذا النجاح بدأت مرحلة من المشاكل التي لم يكن له علاقة مباشرة بها.

وجّه إليه القضاء الفرنسي افتراءين: الأول أنّه أساء استعمال أموال شركته والثاني أنّه نفّذ أشغالاً لحساب الدولة وقبض أجرها بدون وجود عقود. وبعد سنوات قضت المحكمة عام 2007 ببراءته الكاملة.
وواجه ساندي مشكلة مع الحكومة اليونانية حين حاولت التملّص من مفاعيل عقد معه أصدره البرلمان بقانون. لكنّه كان مؤمناً بقوة قضيته وبقوة الحق، وربح القضية في محكمة التحكيم الأوروبي.
أما القضية القضائية الرابعة التي شُغلت بها وسائل الإعلام فكانت ضد أحد المديرين التنفيذيين لديه الذي اعتقل وسجن في نيويورك بتهمة دفع رشى لمسؤولين حكوميين أفارقة مقابل الفوز بعقود. ولم تكتمل السنة قبل أن تُعلن المحكمة براءته الكاملةِ.


من كلّ ذلك ماذا يبقى؟

يبقى أنّنا فقدنا عزيزاً غالياً كان شعلة نشاط متوهجة ورجل مبادئ لم يُغرِه المجد الباطل ولا الربح السريع.  فقدنا إنساناً رقيقاً لا يردّ محتاجاً ولا يساوم على حقّ.
شخصيّاً، فقدت صديقاً أمضيت معه سنوات الدراسة إلى أن باعدت بيننا الدراسة والأشغال سنوات، وحين عدنا التقينا، كنّا وكأننا لم نفترق.
أمّا في "الصفا نيوز" فالخسارة فادحة. لكنّنا جميعاً يدفعنا الأمل إلى تحقيق كلّ الأهداف التي وضعها ليصبح هذا الموقع منارة في ظلام الواقع اللبناني.
نعزّي أنفسنا ونعزّي زوجته كلارا وولديه أكرم وأليهاندرو. ونعزّي أيضاً شقيقه أكرم وعائلته، ونطلب له الرحمة ولأهله وأصدقائه نعمة الصبر والسلوان.