على وقع هول "حرب غزّة" والمواجهات الدّائرة على الجبهة الجنوبية اللبنانية، استُحضر ملفّ الاستحقاق العسكري إلى طاولة البحث مع اقتراب موعد انتهاء ولاية قائد الجيش العماد جوزف عون، وذلك بغية تجنّب حصول فراغ عسكري في هذه المرحلة الدقيقة أمنياً وعسكرياً، حيث أنّ الوضع على الحدود الجنوبية كان ولا يزال مفتوحاً على كلّ الاحتمالات، نتيجة استمرار التهديد الإسرائيلي بتوجيه ضربة لحزب الله والتوعّد بإلحاق دمار كبير بلبنان في ظلّ الحرب التدميرية التي يتعرّض لها قطاع غزّة.

ومع أنّ خطورة التطوّرات الميدانية جنوباً وفي غزّة تفرض على لبنان الاستعداد لمواجهة كلّ الاحتمالات، فإنّ بعض الأفرقاء السياسيين يدفعون بملفّ الاستحقاق العسكري بقوّة، مع العلم أنّ تعذّر إنجازه إذا حصل سيكون علاج الفراغ الذي سيحدثه على الطريقة نفسها، التي عولج بها استحقاق حاكمية مصرف لبنان والمديرية العامّة للأمن العام، لأنّه من حيث المبدأ لبنانياً وعالمياً لا يحصل فراغ في المؤسسات أيّاً كانت العوامل التي تحول دون تلافيه حسب الأصول القانونية والدستورية، ولكن في حالة قيادة الجيش اللبناني فإنّ كثيرين يضغطون في اتّجاه معالجتها عبر أحد أمرين: تعيين قائد جديد للجيش بقرار يتّخذه مجلس الوزراء أو تأخير تسريح القائد الحالي العماد جوزف عون بقرار يتّخذه وزير الدفاع، أو رفع سنّ التقاعد للضباط من رتبة عماد ولواء بما يضمن تمديد ولاية قائد الجيش لسنة أو سنتين حسبما يقترح المشرّع، سواء كان حكومياً أو نيابياً، لأنّ مثل هذا الإجراء لا يتمّ إلّا باقتراح قانون يقدّمه نائب أو كتلة نيابية، أو بمشروع قانون تعدّه الحكومة وتحيله إلى مجلس النواب ليدرسه ويقرّه.

هناك من يربط إنجاز الاستحقاق العسكري بالتطورات الجارية في الجنوب اللبناني

حتّى الآن، يقول معنيّون بهذا الملف، لم ترس الاتصالات على أيّ خيار، فالاشتباك السياسي حوله هو على أشدّه بين "التيار الوطني الحر" الرّافض كلّياً أو جزئياً أيّ تمديد لقائد الجيش ويقترح تولّي الضابط الأكبر رتبة وأقدميّة مهمّاته بالوكالة إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية، ويرفض في الوقت نفسه أن تعيّن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي قائداً جديداً في ظلّ الفراغ الرئاسي، وبين "القوات اللبنانية" التي تؤيّد بشدّة التمديد لقائد الجيش، ولأجل ذلك قدّمت كتلتها النيابية "الجمهورية القوية" اقتراح قانون بهذا التمديد، وقد بنت موقفها هذا على تأييد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي يعلن صراحة تأييده هذا التمديد ويتمسّك به بشدّة، مستغرباً معارضة البعض لهذا الإجراء الذي يراه ضرورياً في هذه المرحلة الحساسة والخطيرة التي يمرّ بها لبنان، خصوصاً بعد عملية "طوفان الأقصى" وتداعياتها على لبنان والمنطقة.

وفيما تبدو مواقف بقية الأفرقاء السياسيين رمادية أو وسطية بين المقترحات المطروحة، فإنّ الحدّة في الاشتباك الدائر بين "التيار" و"القوات" تحديداً، تعكس في مطاويها كثيراً من الخلفيات التي بعضها يتّصل بالتنافس السياسي على الساحة المسيحية راهناً ومستقبلاً، فيما البعض الآخر من هذه الخلفيات يتّصل بالاستحقاق الرئاسي، في ظلّ انحصار التنافس على رئاسة الجمهورية إلى الآن بين مرشحين جديين هما رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية وقائد الجيش العماد جوزف عون، أمّا بقية الأسماء المطروحة فقد بدت ولا تزال تبدو على أنّها للمناورة ولإمرار الوقت الضائع. علماً أنّ "التيار" و"القوات" يتقاطعان على رفض ترشيح فرنجية، ويفترقان على ترشيح عون الذي يرفضه التيار، فيما "القوات" تؤيّده، أو على الأقلّ لا يضيرها انتخابه إذا كان وصوله يمنع وصول فرنجية أو باسيل شخصياً أو أيّ مرشح يسمّيه.

وممّا لا شكّ فيه أنّ البطريركية المارونية تؤيّد التمديد لعون، وفي مضمون هذا الموقف تؤيّد بقوّة ترشيحه لرئاسة الجمهورية، فهي ترى فيه الشخصيّة المارونيّة التي يمكن أن تجمع المسيحيين في زمن التشتّت والتنازع القائم بين قواهم السياسية والحزبية، وكذلك في ظلّ عدم قدرة أيّ فريق سياسي من إيصال مرشّحه لعدم امتلاكه الأكثرية النيابية المطلوبة سواء على مستوى أكثرية الثلثين لتأمين نصاب جلسة الانتخاب أو على مستوى الانتخاب في حدّ ذاته سواء بهذه الاكثرية (86 صوتاً نصاباً أو تصويتاً) أو بالأكثرية المطلقة (65 صوتاً بنصاب أكثرية 86 صوتاً). كذلك ترى بكركي أنّ العائق الدستوري لانتخاب عون (كونه موظفاً من الفئة الأولى يمارس وظيفته ولم يستقل منها قبل سنتين من انتهاء ولاية رئيس الجمهورية) يمكن تذليله بمجرّد توافر تأييد أكثرية الثلثين لترشيحه، فعندها تقرّ هذه الأكثرية بداية التعديل الدستوري المطلوب لإجازة انتخابه في جلسة تنعقد على مرحلتين متتاليتين الأولى لإقرار التعديل والثانية للانتخاب.

ولذلك، فإنّ "القوات اللبنانية" تؤيّد مواقف البطريركية المارونية منذ أن سوّقت عون على أنّه الأنسب في ظلّ الانقسام المسيحي، لاعتقادها، أي بكركي، أنّ الفريق الآخر لن يمانع إرادة "الأكثرية المسيحية" إذا توافرت لانتخابه، خصوصاً إذا بقي متعذّراً عليه تأمين انتخاب مرشّحه فرنجية، وذلك في حال قبل "التيار" بعون ولم يغيّر في لحظة ما موقفه قبولاً بفرنجية وهو ما لم يحصل حتّى الآن لمصلحة أيّ منهما.

كلّ المؤشّرات تدلّ إلى الآن أنّ الاستحقاق العسكري آيل إلى تعيين قائد جديد للجيش

ولكن أن يصل الأمر برئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع إلى وصف رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل بأنّه "عار على لبنان"، ويتّهمه بأنّه يريد "التخلّص" من قائد الجيش، فذلك يعني استحالة حصول تفاهم بين الجانبين على انتخابه نزولاً عند رغبة البطريركية المارونية، لتتجه الأنظار إلى الأفرقاء الآخرين "الثنائي الشيعي" وحلفائه وبقيّة الكتل النيابية واستبيان مدى استعدادها للموافقة على التمديد لعون، وبالتالي ترجمة هذه الموافقة لاحقاً تأييداً لترشيحه الرئاسي، خصوصاً في ظلّ ما يحكى عن تأييد أميركي وكذلك تأييد غالبية دول المجموعة الخماسية العربية ـ الغربية المهتمّة بالشأن اللبناني (الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والمملكة العربية السعودية، قطر، مصر) لهذا الترشيح. في الوقت الذي كان "الثنائي الشيعي" وحلفائه ولا يزالون متمسّكين بدعم ترشيح فرنجية.

وإذ تتطلّع بكركي إلى تأييد "الفريق الآخر" التمديد لعون تحت عنوان "الضرورات تبيح المحظورات" لئلّا يحصل فراغ في قيادة الجيش، بعد الفراغ الذي وقع في موقعي حاكم مصرف لبنان والمديرية العامة للأمن العام والذي عولج "بالوكالة"، فإنّ هذا الفريق، تقول أوساطه، أنّه لا يمكنه القبول بتمديد من هذا الموقع بعدما عارض اعتماده في حاكمية مصرف لبنان والأمن العام، ولذلك هو يؤيّد تعيين قائد جديد، أو إيكال القيادة إلى ضابط ماروني بالوكالة في انتظار انتخاب رئيس جمهورية جديد وهو ما يؤيّده "التيار الوطني الحر" وترفضه المعارضة ("القوات اللبنانية" وحلفائها) التي تقترح التمديد لعون وهي خطوة يقال أنّ الولايات المتحدة الأميركية تشجّع عليها في هذه المرحلة، في الوقت الذي يطرح البعض تساؤلات حول بعض تحرّكاتها العسكرية الجارية في لبنان ربطاً بما أثير أخيراً حول هبوط طائرات أميركية وإقلاعها في مطاري بيروت وحامات، قبل أن توضح قيادة الجيش أنّها تتعلّق بتدريبات تجريها القوات الجوية اللبنانية، فضلاً عن نقل معدات عسكرية هي عبارة عن مساعدة أميركية للجيش.

كلّ المؤشّرات تدلّ إلى الآن أنّ الاستحقاق العسكري آيل إلى تعيين قائد جديد للجيش، أو تولّي الضابط الأقدم رتبة هذه القيادة بالوكالة، ولكنّ التعيين يحتاج إلى توافق لم يظهر أيّ مؤشّر إليه بعد، علماً أنّ "التيار الحر" لا يمانع إجراءه عبر مراسيم جوّالة تشمل إلى قائد الجيش رئيس الأركان وأعضاء المجلس العسكري وليس في جلسة لمجلس الوزراء، وإذا تعذّر ذلك يريد الحلّ أن يكون بتولّي أحد الضباط المسيحيين من ذوي الأقدمية مهمّات قائد الجيش بالوكالة مؤقّتاً إلى حين انتخاب رئيس جمهورية جديد.

إلّا أنّ هناك من يربط إنجاز الاستحقاق العسكري تمديداً لقائد الجيش أو تعيين قائد جديد بالتطورات الجارية في الجنوب اللبناني وغزة، والتي ينقسم الأفرقاء اللبنانيون في الموقف منها، فكلّ منهم يراهن على نتائجها للاستثمار عليها في الموقف من الاستحقاقات الداخلية، فهناك فريق يتوقّع أن تأتي في مصلحة ترشيح قائد الجيش في حال غلب عليها الخيار الأميركي والغربي، فيما الفريق الآخر يتوقّع أن تأتي في مصلحة "محور المقاومة" لتصبّ تلقائياً في مصلحة ترشيح فرنجية، علماً أنّ هذا الفريق كان ولا يزال يصرّ على أن يكون الرئيس الجديد من كنفه، أو على الأقلّ مقبولاً لديه. فيما فريق المعارضة يرفض ذلك ويدفع في اتجاه الاتيان برئيس من كنفه أيضاً أو من خارج "المنظومة السياسية" التي يعتبرها "مسؤولة" عمّا وصلت إليه البلاد من انهيار على كلّ المستويات على حدّ ما يعلن.