الصفا

إذا كان استدعاء باريس لرئيس تيار المرده لزيارتها على عجل حرّك الجمود في الملف الرئاسي، فإنّ البناء على الخطوة الفرنسية قبل نضوج خطوات أخرى فيه ضرب من الخيال. لكن هذا لا يلغي أنّ فرنسا تسعى جهدها لإخراج رئاسة الجمهورية في لبنان من حيّز المراوحة. أعقبت زيارة فرنجية الاتّصال الذي أجراه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وزيارة رئيس الحزب الإشتراكي وليد جنبلاط للبحث في أسماء المرشحين للرئاسة.

من الأساس لم تعلن باريس موقفاً ضد فرنجية ولم تؤيّده بالمطلق. المريح في فرنجية من جانب الفرنسيين أنّه رجل واضح، ومعروف في مواقفه وإنتماءاته السياسية وتحالفاته، فيما الهوية السياسية  لغيره من المرشحين غير متعارف عليها بعد. ولذا لا مانع لديها من السير بترشيحه إذا حظي بموافقة الجميع، أماّ إذا كان اصطدم بعقبات كثيرة فليس من الممكن أسر البلد وأخذه رهينة ترشيح لا أمل منه، ويجب الانتقال إلى مرشح آخر يحظى بالتوافق المطلوب. من وجهة نظر فرنسية من المبكر الحديث عن نتائج الاتفاق السعودي الإيراني وانعكاساته على لبنان، وأنّ ذلك يتطلّب المزيد من الوقت لتتضّح الصورة تماماً.

يلمس الفرنسيون غياب الإهتمام الأميركي عن الإستحقاق الرئاسي، فهو غير مدرج في سلّم أولوياتها بعد، وهي تكتفي بموقع المتفرج على المسعى الفرنسي. شاركت في اجتماع باريس الخماسي دون أن تسجّل موقفاً واضحاً تجاه أي مرشح. أما السعودية فتعد اللاعب الأساسي في الملعب الرئاسي اللبناني والمحرّك الأول للانتخابات في لبنان. حتى اليوم لم تدل السعودية بدلوها مباشرة. وضعت كلمة سرّها مع الفرنسيين "رفض أي مرشح لحزب الله ورفض المقايضة بين الرئاستين".

يبدو المشهد اللبناني من وجهة نظر فرنسية بالغ التعقيد، بما يجعل المسؤولين يرجحون كفة التعطيل لشهور إضافية، طالما أنّ كل الأطراف لا تتواصل مع بعضها ولا تسعى للحل. ما لمسته سفيرة فرنسا في لبنان آنا غريو أنها كلما قابلت مسؤولاً ألقى بالمسؤولية على الطرف الآخر، بما جعلها تتحدث عن معضلة لبنانية يصعب حلّها.

المؤكد أنّ الرئاسة ستندرج ضمن سلّة حلول كاملة متكاملة لم تنضج بعد. تقول المعلومات أنّ الخطوات التالية بعد زيارة فرنجية مجمّدة، ليس هناك أي اجتماعات قريبة للدول الخمس في باريس، ولا حراك يبنى عليه رئاسياً قبيل عيد الفطر. وفي مؤشر يثبّت فترة الجمود مغادرة السفير السعودي وليد البخاري لبنان عائداً إلى بلاده في زيارة تستمر إلى ما بعد العيد.

وحتى ساعة متأخّرة من ليل الجمعة السبت كانت خلاصة ما نقل عن اجتماعات باريس أنّ فرنجية لم يكن مرتاحاً للأجواء، ما يعني أنّ الملف الرئاسي لم ينضج بعد. وضعت فرنسا فرنجية في صورة الموقف السعودي ليبني عليه. ومن حيث الشكل قبل المضمون زيارة فرنجية اقتصرت على لقاء دوريل.

 وبناء على زيارته إلى فرنسا وما سمعه من مسؤول ملف لبنان باتريك دوريل، ستتحدّد خطوات فرنجية اللاحقة. كان يفترض أن يجول على المسؤولين للتشاور معهم وإعلان ترشيحه في مؤتمر يتطرق فيه لمواقف يطلقها للمرة الأولى .

وفي إنتظار الإفراج عن نتائج مباحثات فرنجية في العاصمة الفرنسية يتم التداول بإسمي الوزيرين جهاد أزعور وناصيف حتّي، مقابل تراجع أسهم قائد الجيش العماد جوزف عون الرئاسية.

ينوي الوزير السابق جهاد أزعور تمضية عطلة الأعياد في لبنان. تراوده فكرة الرئاسة ولأجلها رفض تسلّم حاكمية مصرف لبنان. يعتبر أنّ حظوظه تؤهّله للرئاسة. المجاز في الحقوق من جامعات فرنسا والحاصل على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة هارفرد في واشنطن، يشغل منصب المدير المسؤول عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز في صندوق النقد الدولي. الوحيد بين المتداولة أسماؤهم صاحب علاقات عربية وغربية واسعة وإبن بيئة إقتصادية عالمية. تجمعه علاقات وثيقة مع المملكة السعودية ويحظى بثقتها. باشر سفيرها في لبنان الهمس بإسمه من بعيد لبعيد، فهل يمكن أن يكون ذلك من بنات أفكاره أم تم تداوله في اجتماعات خلية لبنان في المملكة.

أزعور المتكتم يتابع أوضاع لبنان وأزمته عن كثب. التزامه قوانين صندوق النقد بعدم التعاطي بسياسة البلد الذي يحمل جنسيته لم يمنع الوزير السابق للمالية من متابعة أوضاع بلاده، والسعي لمعالجة مشاكله مستفيداً من شبكة علاقاته الواسعة ورصيده الذي بناه من خلال المناصب التي يتبوأها في صندوق النقد. هو إبن شقيقة الوزير السابق جان عبيد الذي أخذ بيده إلى وزير المالية السابق جورج قرم، ثم تعرّف إلى الرئيس فؤاد السنيورة يوم عين وزيراً للمالية، فتمسك بوجوده حتى صار مساعده الأول وصندوق اسراره المالي وإليه جيّر ترتيب وإعداد مؤتمري باريس الأول والثاني. أزعور البارع في تقديم الرؤى الاستراتيجية لمعالجة أزمات الدول يطرح على أنّه الأقدر في المرحلة الراهنة على إخراج البلد من أزمته.

منذ بدأ التداول باسمه انتقل أزعور ولو سرّاً إلى مصافي المرشحين الساعين للرئاسة، فالتقى عدداً من المسؤولين للتشاور معهم، وحظي ببركة بكركي وتبنى ترشيحه جبران باسيل، وتربطه علاقة وطيدة مع وليد جنبلاط. إذاً هو نقطة تقاطع محلّية دوليّة وإقليمية.

لكن بلوغه الرئاسة الأولى دونها عقبتان، هما: الثنائي الشيعي ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. قد لا يعارض رئيس البرلمان نبيه بري وصول أزعور وهما على تواصل مستمر، لكن شريكه في الثنائية أي حزب الله فلا يزال يرفض البحث في خطة باء رئاسية طالما يستمر فرنجية في الترشح. يعتبره تلميذ السنيورة النجيب والمنظّر لسياساته المالية والمتأثر بمواقفه السياسية، علماً أنّ أزعور سبق واجتمع مع قياديين في حزب الله نهاية العام الماضي، وتباحثا مطوّلاً في أفق حلّ الأزمة الاقتصادية.

من ناحيته يصنّف رئيس القوات أزعور كمرشّح لرئيس التيار جبران باسيل من جهة، ومن جهة ثانية يُدَفّعه ثمن العلاقة الباردة مع خاله جان عبيد الذي مازحه خلال مأدبة عشاء جمعتهما قائلاً: "أقنعنا فرنجية أنّ جعجع لم يقتل والده ولكن كيف نقنع جعجع".

بعد عودة فرنجية من باريس سيدخل البلد في عطلة العيد، بعدها ستكون العين على البخاري. كلمة السر الرئاسية يمكن التنبؤ بها حين يجتمع سفير الممكلة مع النواب السنّة في البرلمان، وبما أنّ مثل هذا الاجتماع لم يعقد بعد، فلا معطيات جديدة لدى المملكة ولا مستجدات تدفعها لحسم موقفها بعد.