ما الذي يجمع أبا نواس، وعزة طويل؟

يروي ابن منظور، في كتابه "أخبار أبي نواس" عن شاعر الخمرة أنه استأذن عالم اللغة البصراوي خلف الأحمر في نظم الشعر. فقال له: "لا آذن لك في عمل الشعر إلَّا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب ما بين أرجوزة وقصيدة ومقطوعة".‏ فغاب عنه مدة وحضر إليه، فقال له:‏ "قد حفظتُها".‏‏ فقال له خلف الأحمر: "أَنشِدْها".‏‏ فأنشده أكثرها في عدة أيام. ثم سأله أن يأذن له في نظم الشعر، فقال له:‏‏ "لا آذن لك إلَّا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها".‏‏ فقال له:‏ "هذا أمرٌ يصعب عليَّ، فإني قد أتقنت حفظها".‏‏ فقال له:‏ "لا آذن لك إلَّا أن تنساها".‏ فذهب أبو نواس إلى بعض الأديرة، وخلا بنفسه، وأقام مدّة حتى نسيها. ثم حضر فقال:‏‏ "قد نسيتها حتى كأن لم أكن حفظتها قط".‏ ‏ فقال له خلف:‏ "الآن انظم الشِّعر"!

أما عزة طويل، الدكتورة في إدارة الأعمال، والمديرة السابقة لدار نشر في بيروت، فلم يكن من خلف الأحمر في حياتها، ليأذن لها في كتابة رواية. عملت طويلًا في مجال النشر. اختارت مئات الكتب لتصدرها تلك الدار مترجمة. قرأت مئات أخرى. دققت... حتى باتت خبيرة من طراز أول في هذا المضمار. نالت شهادتها من جامعة غرونوبل الفرنسية، تزوجت، أسست عملًا خاصًّا بها، ثم غادرت لبنان، بعد انفجار مرفأ بيروت، في 4 آب 2020، إلى كندا، حيث استقرت وزوجها وبنتيها، إلى أن طالعتنا برواية "لا شيء أسود بالكامل"، الصادرة عن "دار نوفل" في بيروت.


قد تكون الغربة هي خلف الأحمر. فطلب منها أن تستعيد شريط حياتها، وكلَّ ما قرأته من روايات، ثم طلب أن تنساها، بعدما اختلت بأساها. فأذن لها، ساعتذاك، في الكتابة.

وإذا كانت عزة طويل كسبت خبرة ومعرفة وحرفة وحنكة، في فهم سلوك القراء، وسوق الكتاب، متمتعة بثقافة عالية وبلغة جيدة، فهي أيضًا ابنة الأديبة اللبنانية والكاتبة والباحثة في مجال حقوق المرأة، والناقدة الروائية يسرى المقدم التي تعدها عزة مثالًا لها.

جاءت رواية عزة طويل الأولى تحت مسمى "نوفيلا" وهي كلمة لاتينية novus تعني الجديد. ووفق أكثر من مرجع، تعود نشأة هذا النوع الأدبي إلى عصر النهضة في إيطاليا خلال القرن الرابع عشر مع النوفيلا الشهيرة "ديكاميرون" لجيوفاني بوكاشيو التي تروي مغادرة عشر نساء ورجال مدينة فلورنسا هربًا من الطاعون، وعيشهم من ثم في قصر ريفي معزول، فراحوا يروون القصص بالتناوب. وينطبق الوصف على "كانديد" فولتير في فرنسا، وعلى روايات غوته في ألمانيا، وعلى دستويفسكي في روسيا، في روايته "الإنسان الصرصار".

أما مقومات النوفيلا، فبحسب الأديب الألماني تيودور شتورم، هي "أخت الدراما الصغيرة"، لأنها "ذات بنية مغلقة ومنتظمة ومتماثلة". أما الكاتب والناقد المجري جورج لوكاش فوصفها بأنها: "حياة بشريّة تعبر عنها القوة الحسيّة اللانهائية للساعة المصيرية". لكن الباحث الأدبي الروسي بينو فون فيزي فيعرف عنها ببساطة، قائلًا: "سمتها الرئيسة أنها مقتصرة على حدث واحد". أما غوته، أحد أهم كتابها، فوصفها بأنها: "ما لم يُسْمَع به قبلًا". لكنها، على عكس الحكاية الخيالية، حقيقية ومحتملة الوقوع وجديدة وغير عادية ومثيرة للاهتمام.

ونوفيلا "لا شيء أسود بالكامل"، التي تقع في 112 صفحة، من الحجم الصغير، نموذج لنهضة الرواية، أو الرواية الجديدة، خصوصًا أنها واقعية وأشبه بمذكرات أو شبه سيرة ذاتية وعائلية. فأقلعت عن الإطالة واعتمدت تكسير الزمن وتفكيك الشخصيات وتنويع الحبكة، واستعمال منظورات جديدة. وأبرزت هوية الشخصية التي تكتب الرواية، أي عزة طويل، وطبيعة الوعي الثقافي والمجتمعي لديها، هي "الروائية المثقّفة" التي تحمل الهمّ الأخلاقي، وقد وظفت ما كتبته في خدمة قضايا إنسانية، من خلال تجربة شخصية غنية.



والرواية جديدة عليَّ، على الأقل، من حيث الشكل. محورها واحد، كاتبتها هي البطلة التي تدور كل الأحداث من حولها، في أزمنة غير متوالية، وأمكنة كثيرة، لا رابط بينها، أو حبكة واحدة، في مقاطع سردية قصيرة، تميزها خواطر أو عبر، نشرتها عزة سابقًا على صفحات التواصل، لا بد من أن تستوقف القارئ، فضلًا عن إضفاء واقعية أكثر على النص باستخدام اللغة العامية، خصوصًا في الحوارات.

ثمة ذاكرات كثيرة، في رواية عزة. ذاكرة إنسانية شخصية، من طفولتها، إلى الحب والزواج، فالخسارات، ولا سيما منها خسارة أهل وأعزاء وأحبة. ذاكرة المدن القليلة من مثل حمص (والحرب التي شهدتها أخيرًا) وباريس (التي زارتها أكثر من مرة)، وبيروت خصوصًا خلال الحرب، ومجتمع الملاجئ. ذاكرة الحرب، بمآسيها وانكسارات أحلام كثيرة فيها، وخيبة برامج سياسية ووطنية، واصطدام عقائد طوباوية بواقع مأسوي. ذاكرة الأهل، الجد والجدة، الأب والأم، الأشقاء، الزوج، الأولاد... ومن ضمنهم من باتوا بمنزلة الأهل، أي الأصحاب والجيران. ذاكرة الأحاسيس والقيم، من الجنس إلى الموسيقى، وحتى الإجهاض...

وهذا ما أضفى على الرواية خصوصية، من ضمن الرواية العربية. إذ إن عزة طويل لم تنطلق من فراغ، إنما انطلقت من لغتها وبيئتها وتجاربها في هذه البيئة ومن المناخ الاجتماعي والسياسي الذي تعيشه، مستخدمة فضاءها وأماكنها ومعالمها الجغرافية، وراسمة العلاقات بين شخصياتها وفق ما هي قائمة في تلك البيئة.

وأجمل ما في سردية الرواية، فصولها الإثنان والعشرون القصيرة، التي يمكن وضعها ضمن الإطار العام، أو عدُّها كلَّ فصل على حدة، ليشكل قصة قصيرة. إذًا هي مجموعة قصص قصيرة، لا نهاية لأي منها، كأني بعزة أرادت من القارئ أن يكون هو المؤلف الثاني للرواية، فيكمل على هواه، ويختم كما يريد... وكأني بها أيضًا تؤسس، عن وعي أو مصادفة، لمشروع سينمائي لهذه الرواية، إذ لن يجد أي مخرج عناء في ترجمة مشاهدها، كما هي، على بساطتها.

أما الموت الذي يشي أسود عنوان الرواية به، فبررته عزة بقولها إن "المقابر هي الفناءات الخلفيّة للحياة، حصون الذاكرة التي يختفي خلفها الأحبّاء. أبناء، آباء، أطفال، مُسنّون... تملّصوا كالزئبق من بين أيدي شخصيّات الرواية لكنّهم ظلّوا مسكونين بهم، يتفقّدونهم كلّ ليلة، يُطلّون عليهم من كُوَى الرواية بحَذَر، مُسترجِعينَ معهم شذراتٍ من أعمارهم، ولحظاتٍ من الضوء لا يخفتُ ضوؤها في الغياب. فهؤلاء هم الغُيّاب الحاضرون، مَن منحوهم رصيدًا من النور يُضيء ما تبقّى من أعمارهم. في النهاية، الموت ليس كلُّه موتًا"...

هل تصالحت عزة طويل بذلك مع رواسب الحرب، هي التي ولدت بعد أربعة أيام على ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في 16 أيلول 1982، فأظهرت نفسها على حقيقتها، من دون مثاليات أو عراضات؟ أظن أن بلى، فتلاقت مع أبي النواس مجددًا... "وداوني بالتي كانت هي الداء".