انطفأتْ سماءُ الفن "القناوي" بعدَ رحيل نجمتِه الأيقونةُ الجزائريّة "حسنة البشارية" التي توفيت يوم الأربعاء 1 أيار على أثر نوبةٍ قلبيّة، ووريت إلى الثرى يومَ أمس الخميس.

بدأتْ حسنة، ابنةُ الصّحراء الجزائريّة بتعلّمِ العزف على آلة "القمبري" خلسةً لإعجابها بصوتهِا، ثمّ قضتْ حياتها في الفن ولُقّبت "مغنية روك الصحراء". أُنتجَ عنها فيلمٌ وثائقي عامَ 2017 (إخراج سارة ناصر)، وكانَ حلمها قبل موتِها، أن تُؤسّس أكاديمية لتعليم فن القناوي للفتيات الجزائريات.

تقولُ حسنة: "أدركتُ منذ نعومة أظافري أنّ صوت تلك الآلة العجيبة (القمبري) ينادي روحي وجوارحي، بعدما استوطنتْ ألحانُها شِغاف القلب، لذا قررتُ أن أتعلّم العزف مهما كانَ الثمن".


مغنية الروك الصحراوية... خرجت من رحمِ المعاناة

اكتسبت حسنة البشارية اسمها الفني من مكان ولادتها في مدينة "بْشار" جنوبَ غرب الجزائر عام 1954، واسمُها الحقيقي "حسنة حسَينات". كانَ والدها مُقدّمَ فرقةِ قناوة، وجدُها كانَ عازفاً. وتعودُ أصول والدها إلى مدينة "أرفود" في المغرب، قبل أن ينزح إلى الجزائر سعياً للرزقِ، ووالدتها "مباركة" من مدينة القنادسة الجزائريّة.

عاشتْ حسنة في طفولتها ظروفاً قاسية خاصة بعد زواج والدها بامرأةٍ أخرى، وأصيبتْ والدتُها بمرض السكري ثمّ أصبحت كفيفة، فكانت الابنة حسنة رغمَ صغر سنها، مسؤولةً عن والدتها وأشقائها، فبدأتْ بالعمل باكراً لإعالةِ إخوانها ولتأمين تكلفة علاجِ والدتها.

باعتبار أنّ والدها كان يعزف على آلةِ القمبري واحترفَ "فن الديوان"، الأمر جعلها تميل إلى الموسيقى منذُ صغرها، فتعلّمتِ العزف على آلة القُمبري، وبحسب الصحف الجزائرية، "حسنة البشارية هي المرأة الجزائريّة الوحيدة التي تعزف على هذه الآلة، فتُعد حكراً فقط على الرجال".

كانت حسنة تأخذ آلة والدها خلسةً كي تتعلّم العزفَ عليها، ثم تعيدها مجدداً دونَ علمه، وتعلمتْ لاحقاً العزف على آلاتٍ موسيقيةٍ أخرى مثل العود العربي والهارمونيكا.

كوّنتْ حسنة فرقةً نسائيّةً، وقدمنَ فقرات في الأعراس واشتهرنَ محلياً في الجزائر رغم المضايقات التي تعرضنَ لها. امتدتْ مسيرة حسنة البشارية لحوالي 60 عاماً من الإحتراف، وتركتْ أثراً في مسارِ العديد من الفنانين، منهم الفنانة سعاد عسلة التي أسّست فرقة "لمّة بشاريّة".

حرصت حسنة خلال مسيرتها على التعريف بالتراثِ الجزائري الخاص بمنطقةِ الجنوب، مثل الغناء التقليدي المعروف باسم "الزفانات" وأنواع غناء أخرى: "الجباريات" و"الفردة" و"الحيدوس" و"الشلالي"، وهي أنواع غنائيّة نادراً ما تُقدّمُ أمامَ الجمهور الواسع.

عام 2020، عادتْ حسنة البشارية للغناء منفردةً بعدَ انقطاعٍ استمرَ لأعوام، وانفصلتْ عن فرقتها في ألبوم حملَ عنوان "ألوان الصحراء". لُقّبت بالعديد من الألقاب خلال مسيرتها منها لقب "مغنية الروك الصحراوية"، إلى جانب لقبها "عميدة موسيقى الديوان النسويّة".

أحيت في شباط الماضي، حفلاً في باريس، وفي "مونبليه" شاركت فرقتها مجدداً الغناء خلالَ شهر أيلول المنصرم. 

ترحلُ حسنة البشارية عن عالمنا، لكنّها تتركُ من خلفها إرثاً فنياً وحكايات مختلفة، لامرأةِ الصّحراء العنيدة، التي تلتحمُ ملامحها بفنٍ آخّاذ، يتشكّل من قسوةِ الصّحراء، لكنهُ وصلَ لقلوبٍ هوَت العزفَ الجميل والأداءَ الصّادق.