25% من الشعب اللبناني يعانون اضطرابات نفسية، كالاكتئاب أو الفصام أو الإدمان أو غيرها من الأمراض النفسية التي كثرت في الأعوام الماضية. أيّ أكثر من مليون مواطن يحتاج إلى خدمات رعاية صحية، بحسب دراسات صادرة عن مستشفى أوتيل ديو. وقد يكون الرقم للوهلة الأولى صادماً، إلّا أنّ تقييماً بسيطاً لكلّ ما مرّ به شعب لبنان في السنوات الأخيرة من جائحة كورونا، وأزمة اقتصادية، وقطع طرقات، وثورة، وانفجار مرفأ بيروت، فحرب في الجنوب، قد يكون كفيلاً بمعرفة أنّ هذا الرقم وإن دلّ على شيء فعلى أنّ عدد الأشخاص الذين يحتاجون إلى مساعدة نفسية أكبر بكثير. فوفق أرقام "الدولية للمعلومات"، قفز عدد حالات الانتحار في لبنان بنسبة 16% في العام 2023، إلى 170 حالة مقارنة بـ 138 حالة في العام 2022، و145 حالة في العام 2021، و150 حالة في العام 2020. ففي لبنان تُسجّل كل 3 أيام حالة انتحار تؤدّي إلى الموت.

من هنا تأتي أهمّية الاعتناء بالصحّة النفسية للأفراد، وخصوصاً في أماكن العمل، حيث أنّ الفرد "العادي" يقضي نحو 90 ألف ساعة (أي عشر سنوات متّصلة) من العمل على مدار حياته، فما حال المواطن اللبناني الذي يعمل في وظيفتين ليؤمن قوته؟ وهذا الرقم، بحسب دراسة أوردتها جيسيكا جونز في كتابها "السعادة في العمل"، هو نشاط لا يضاهيه سوى النوم. فما هي الصحة النفسية، وما أهمّيتها؟ وكيف بالإمكان تحسينها في أماكن العمل؟

ما هي الصحة النفسية؟

يعرّف، المعالج النفسي، بدروس قزازيان، والمنسّق التقني لوحدة الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي في البرنامج الوطني للصحة النفسية، الصحة النفسية بأنها حالة من الرفاه النفسي تمكّن الشخص من مواجهة ضغوط الحياة، وتحقيق إمكاناته، والتعلّم والعمل بشكل جيد، والمساهمة في مجتمعه المحلي. وتبنى الصحة النفسية على عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية.

وعن العوارض التي تنذر بأنّ الصحة النفسية للفرد بخطر، يشرح قزازيان في حديثه لموقع "الصفا نيوز" أنّ هناك علامات إنذار عامّة وأخرى خاصّة بالاضطرابات النفسية. أمّا الإنذارات العامة فتظهر على شكل مزاج حزين، أو خوف وقلق وتوتر مستمر، وصعوبة في بناء علاقات اجتماعية، مع تفضيل العزلة، وتراجع الإنتاجية، وتأثير على الوظائف الحياتية، وصعوبة في التعلم، ونوم غير مستقر، أو تأثير على الشهية التي قد يؤدي إلى تناول الطعام بكثرة أو الانقطاع التام عن الطعام، وتأثير على الذاكرة. إلخ".

الأعراض

وعن الصحة النفسية في بيئة العمل فلفت إلى أنّ "هناك أكثر من عامل يؤخذ بعين الاعتبار، أولا مكان العمل (إذا كان آمنا ومريحة أم لا)، ثانيا العوامل النفسية (دوام العمل، الضغط، العلاقة مع الإدارة، طريقة إدارة العمل، التعرض لتحرّش أو تنمّر)، ثالثا، بيئة العمل (خدمات تهوية وتدفئة، نظافة، مكان لركن السيارات...). وشرح أن كثرة الضغوطات في أماكن العمل وعدم توفّر الموارد يسبب قلق وضغط نفسي وإجهاد، ويرافق العامل/ة إلى منزله/ها، ويؤثر على طريقة تعامله/ا مع شريكه/ها أو مع أولاده/ها، ويسبب أرق، أو كوابيس، وقد يؤدي إلى استهلاك أطعمة غير صحية، أو شرب الكثير من الكافيين، بسبب فقدان الطاقة للعمل. كما أثبتت الدراسات أن ضغوطات العمل قد تتسبب بمشاكل صحية للأفراد، كتشنجات في الرقبة والظهر والعضلات، كما لها تأثير على الإنتاجية، وتسبب قلّة تركيز، وتزيد من نسبة العصبية لدى الشخص. كما قد تغير ضغوطات العمل شخصية وعادات الأفراد فينتقلون من كونهم أشخاص يمارسون الرياضة، ويستمعون إلى الموسيقى، ويحبون الرقص والغناء مثلا إلى أشخاص منعزلين عن محيطهم، ويتخلون عن عاداتهم.

أمّا الحلول فتكمن "أولا بتشخيص الحالة ومعرفة إذا ما كانت هذه العوارض ناتجة عن اضطرابات نفسية أو ضغوطات عامّة. وفي الحالة الثانية يبرز دور التثقيف النفسي، حيث يجب أن يتعلّم الفرد كيفيّة الرعاية الذاتية، بدءا من معرفة كيفية تنظيم الوقت، تحديد الأوليات، ادارة الضغوطات من خلال حل المشاكل العالقة، او التعامل مع المشاعر المزعجة المرتبطة بها . فاذا واجهنا مشكلة يمكن أن نجد لها حلولا نلجأ إلى تقنيات العصف الذهني وإدارة الوقت والأوليات، أما اذا لم يكن لدينا قدرة على السيطرة على المشكلة فنلجأ إلى تقنيات تركّز على ردّات الفعل، كممارسة هواياتنا (رقص، قراءة، طبخ، تنزّه في الطبيعة، ريضة...) وهذه التقنيات لا تحلّ المشكلة إنّما تخفف من حدة المشاعر المزعجة المرتبطة بها. وإذا تبيّن لنا كاختصاصيين خلال التشخيص أكثر من علامة إنذار تشير إلى احتمالية إصابة الفرد باضطراب نفسي فنلجأ إلى مجموعة من التدخلات النفسية المثبتة علمياً كالدعم النفسي الاجتماعي، جلسات العلاجات النفسية، او التدخلات المبنية على الادوية.

كما أثبتت الدراسات أنّ ضغوط العمل قد تتسبّب بمشاكل صحية للأفراد، كأمراض القلب وتشنّجات في الرقبة والظهر وعضلات الجسد

استباق الأعراض النفسية

وشدد قزازيان على "أهمية الوقاية في مجال الصحة النفسية ، والتي يمكن تطبيقها عبر تبني المؤسسات والشركات سياسات وتقنيات تحمي صحّة موظفيها النفسية، وأبرز هذه التقنيات برامج مساعدة الموظفين المعروفة بالـEAP (Employee assistant programs) ومثال على ذلك متابعة مدير الموارد البشرية للصحة النفسية للموظفين وهو ما يساعد على رصد علامات الإنذار التي تشير إلى أنّ الموظف ليس بخير، ما يفسح المجال أمام تدخلات مبكرة، بالوقت نفسه إيجاد السبل المناسبة لتعزيز صحتهم النفسية من خلال سلوكيات تحافظ على بيئة عمل إيجابية.كذلك يجب إعطاء الحرية للموظف بالتحدث عن أي مشكلة يواجهها دون أن يخشى حرمانه من ترقية أو زيادة راتب. كما يجب وضع سياسات تحمي الموظفين من التنمر في أماكن العمل، ومن ضغوطات العمل كإعطاء مثلا يوم عطلة للموظف للاعتناء بنفسه وهو ما يعرف بالـself-care leave، أو يوم عطلة في عيد ميلاده، فضلا عن الاطمئنان على الموظفين إذا ما تعرضوا لحادث معيّن أو أصابهم مرض ما. إلخ".


وعن دور البرنامج الوطني للصحة النفسية في نشر التوعية حول أهمية الصحة النفسية في أماكن العمل، والضغط باتجاه إقرار قوانين في هذا الخصوص، أجاب "يتعاون البرنامج مع عدد من الشركاء من جمعيات ومؤسسات لنشر التوعية حول أهمية الصحة النفسية في أماكن العمل، كركيزة أساسية من ركائز الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية.

عن جمعية "إدراك"

في سياق متصل، قال لـ"الصفا نيوز" المدير التنفيذي لجمعية "إدراك" التي تعنى بالصحة النفسية، د. جورج كرم إنّ " 1 من كلّ 4 بالغين لبنانيين معرّض لخطر الإصابة باضطراب عقلي في مرحلة ما من حياته، وهذا الرقم مستند إلى دراسات أجرتها جمعية "إدراك"، التي بدأت عملها في لبنان سنة 1988 ومؤسسها هو الطبيب النفسي د. إيلي كرم، الذي لاحظ بعد عودته من أميركا إلى لبنان، غياب الإحصاءات في مجال الصحّة النفسية في لبنان، على الرّغم من كثرة الأرقام والإحصاءات الأميركية في هذا المجال، فيما النماذج الغربية لا يمكن تطبيقها كما هي في لبنان، فلكلّ مجتمع خصوصيته وأرقامه. ومن هنا انطلقت فكرة انشاء دراسات وأبحاث عن الصحة النفسية في لبنان، ومن ثمّ تطوّر عمل المؤسسة ليشمل برامج توعية، ودورات تدريب بالتعاون مع المؤسسات الخاصة، والمدارس، والجامعات، كما افتتحنا عيادات خاصة شبه مجانية لتقديم العلاج النفسي للأفراد".

وتجاوب الأفراد وأصحاب الشركات كبير بحسب كرم، والسبب يعود إلى "كثرة الصعوبات والأزمات التي عصفت بلبنان في السنوات الأربع الأخيرة، إذ ارتفع حجم الوعي لدى المواطنين بشأن أهمّية الصحة النفسية، وتمّ كسر حاجز الخوف والتابو المتصل بزيارة المعالج النفسي، وتطبيب النفس، وهذا الوعي ساهمت جمعية "إدراك; وغيرها من الجمعيات التي تعنى بالصحة النفسية في نشره. عدا أنّ جميع المؤسسات التي تواصلنا معها لتدريب مندوبيها على الصحّة النفسية، أبدت تجاوبها واستعدادها للتعاون معنا".

تأثير الصحة النفسية في سير العمل

وأوضح كرم أنّ "الصحّة النفسية للموظفين في أماكن العمل لا تؤثّر في الموظف فحسب، بل تمتد آثارها على العمل، إذ تضرب الإنتاجية، وتزيد من التكاليف على أرباب العمل، خصوصاً إذا ما تسببت ضغوط العمل بتقديم شخص ماهر استقالته، ما سيخسّر صاحب الشركة الكثير من الوقت (يصل إلى 6 أشهر) لتوظيف شخص آخر وتدريبه على العمل ليصبح متمكّناً ويبدأ بإعطاء مردود. كما تتسبب بعدم تركيز، وبمردود أقلّ بنسبة شهر تأخير/سنة، وبأخطاء ومشاكل كثيرة في حين أن العمل على الصحة النفسية للموظفين في أماكن العمل لا تكلّف فلساً واحداً. وهو ما لم يكن يتنبّه إليه أرباب العمل، إلا أنّ الوعي يكبر يوماً بعد يوم".

وانتقد العقلية التقليدية السائدة لدى معظم أرباب العمل وطريقة إدارتهم لشركاتهم، في محاولة للاستفادة قدر الإمكان من إمكانات الموظفين، لدرجة قد تستنزف طاقة هؤلاء، شارحاً "وفي تركيز أصحاب العمل على الصحة النفسية لموظّفيهم سيتمكنون من الاستفادة من طاقات موظّفيهم أضعافاً مصاعفة من الطريقة التقليدية. لأنّ الموظّف سيذهب إلى عمله وهو سعيد، ومعدّل تركيزه سيكون أعلى، ما سينعكس تلقائياً على إنتاجية الموظّف وسيرفعها".

نموذج لبيئة عاملة ناجحة وصحية

وشارك مدير تجربة المواهب وتطويرها في مجموعة HOLDAL، محمد مروش، تجربته كمدّرب على الصحّة النفسية، مع "الصفا نيوز"، وقال "في مجموعة HOLDAL نركّز كثيراً على الصحّة النفسية للموظّفين في أماكن العمل، وقد بدأ عملنا مع بداية الأزمة الاقتصادية في العام 2020 إذ قرّرنا تشكيل فريق من المتطوعين من موظّفي الشركة لتقديم مساعدة نفسية لزملائنا في العمل، لكوننا موظفين نعرف حاجات الزملاء، ونشاركهم في يومياتهم، وهذه التجربة احتاجت إلى مساعدة من خبراء نفسيين، وهنا جاء دور جمعية "إدراك" والبرنامج الوطني للصحّة النفسية في وزارة الصحة، إذ تمت دعوتنا لحضور دورات تدريبية عن الصحة النفسية في العام 2023".

وبذلك أصبحنا مدرّبين على الصحّة النفسيّة، يتابع مروش، علماً أن "أبرز النقاط التي تركزت عليها الدورة التدريبية، هي في فهم كيف تؤثّر بيئة العمل في الصحة النفسية، وكيف بإمكاننا كمديرين موارد بشرية وكإدارة، العمل على تخفيف حدة هذه العوامل المؤثرة، وتعلّمنا كيفية التعامل مع مختلف الحالات النفسية التي قد تصادفنا في بيئة العمل، وكيف باستطاعتنا مساعدة زملائنا ومتى علينا تحويلهم لمراجعة اختصاصيين نفسيين. كذلك تعرّفنا على مختلف القوانين الداخلية التي يجب لحظها لحماية الموظّفين من العوامل المؤثّرة على صحّتهم النفسية، كالتمييز العنصري، والتمييز في الفئات العمرية، وكيف بإمكاننا تخفيف ضغوط العمل لمعالجة المشاكل من جذورها. وطبقنا سيناريوهات قد تصادفنا في بيئة العمل، وتعلّمنا كيفية التعامل معها. ولم تقتصر المشاركة في هذه الدورة التدريبية على شركتنا فقط بل كان هناك العديد من الشركات الأخرى التي خضعت معنا لنفس التدريب".

وعن الدورة التدريبة، يقول مروش "على الرغم من أنّ العديد من الموظّفين يأتون إلى عملهم حاملين مشاكلهم الشخصية معهم، ففي أحيان كثيرة تكون بيئة العمل نفسها، هي التي تسبب المشاكل النفسية لدى الموظّف، ومن الضروري أن تتعامل الشركات مع هذا الواقع وتعالجه. وأولويتنا في الشركة تطبيق ما تعلّمناه من الدورة، وتأسيس فريق دعم نفسي، وبدأنا بتدريب جميع الموظفين، وأعددنا حملات إعلامية للتوعية حول الصحّة النفسية، وحاولنا كسر الحواجز وتشجيع جميع الموظفين للحديث عن حاجاتهم النفسية، وهذا الفريق أصبح اليوم فعالاً ويلجأ إليه الموظفون بحثاً عن مساعدة وإرشادات نفسية، لتخطّي الضغوط التي يمرّون بها ليس في مكان العمل فحسب بل أيضاً في حياتهم الشخصية، فكلّ ما مررنا به ونمرّ به في هذا البلد يظهر في بيئة العمل حيث أنّ معظم الوقت الذي يمضيه الفرد في حياته يكون في مكان العمل".