عندما وافق جوناثان دويتش، الأستاذ في قسم إدارة الأغذية والضيافة وعلوم التغذية في جامعة دريكسيل، على شمّ 400 قارورة من العطور التي لا تحمل علامات تجارية، لم يكن يعلم أنّه سيتنافس مع جهاز كمبيوتر، وساهمت خصائص الروائح التي جمعها دويتش بالتعاون مع 13 متطوعاً بالتحضير لاختبار لبرنامج كمبيوتر تم تدريبه على تحديد نفس أنواع الأوصاف – مثل عطر برائحة الفاكهة، عطر بارد، رائحة سمك أو الصنوبر - باستخدام التركيب الكيميائي وحده.

وأظهرت النتائج أنّ البرنامج، وهو يسمّى الشبكة العصبية للرسم البياني، يتمتّع بقدرة التعرّف على الروائح بشكل يشبه قدرة البشر على ذلك، أقلّه تلك الروائح غير المخلّطة والبسيطة، إذ حدّد الجهاز بشكل موثوق الروائح التي عرضت عليه والتي تجاوزت مكوناتها 500000 جزئية.

هذا الاختبار يعتبر بمثابة المعجزة العلمية في مجال حاسّة الشمّ الذي كان متعثّراً لسنوات طويلة نظراً لندرة المعلومات حوله، حيث يشير الخبراء إلى أنّ هذا النهج سيوفّر إمكانات كبيرة لتسريع البحث عن منتجات استهلاكية ذات رائحة أفضل، كما قد تساعد على إنشاء أبحاث حاسّة الشمّ كمجال طبي متخصّص.

ولطالما اعتبرت حاسّة الشمّ أقلّ أهمية من الحواس الأخرى التي يتمتّع بها الإنسان نظراً لكونها تشغل حيزاً صغيراً جداً من جهود عقل الإنسان حيث اعتبرت حاسة بدائية لا تستحقّ الدراسة من قبل علماء الأحياء العصبية.

في حين أنّ ما نراه ونسمعه يعكس خصائص قابلة للقياس الكمّي مثل الطول الموجي والتردّد، فإنّ الرائحة لا تتوافق بدقّة مع الشكل الجزيء، فيمكن للجزيئات ذات البنية المتشابهة أن تكوّن رائحة مختلفة في حين أنّ الجزيئات غير المتشابهة يمكن أن تشكل نفس الرائحة.

قبل عشر سنوات، تحدت "مسابقة التعهيد الجماعي" الباحثين لاستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبّؤ بالروائح من خلال تركيبتها. عندما طلب من الذكاء الاصطناعي شمّ 69 مادة كيميائية، تمكنت الخوارزميات الفائزة من التعرف على ثمانية من أصل 19 رائحة محتملة نسبها الناس إلى هذه العينات. لكنها لم تستطع تجميع العينات وفقا لمدى تشابه رائحتها.

كان ريك جيركين ، عالم الأعصاب في شركة Osmo الذكاء الاصطناعي، وهي شركة انبثقت عن مختبر التعلم الآلي في Google، أحد الفائزين في هذا التحدّي. ونظراً لأنّ عدد جزيئات الرائحة المميزة لتدريب "المتشمّمين" قد زاد بشكل كبير مع الذكاء الاصطناعي منذ المنافسة، فقد اعتقد جيركين أنه قادر على فعل ما هو أفضل من تلك النتيجة، إذ استطاع مع ألكسندر ويلتشكو، الذي كان يعمل مع جوجل للأبحاث ومن ثم مع أوزمو، من إدخال جزئيات وأوصاف روائح ل 5000 جزئية لبرنامج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطورا الذي استطاع التعرف على الأنماط في بيانات التدريب، وربط رائحة الجزئية بخصائص الذرات المكونة لها - هوياتها وأحجامها والروابط المتصلة.

عليه، بدأت مرحلة الاختبار، فقام دويتش وزملاؤه المتطوعون بالتعاون مع عالمة الأحياء الحسيّة مونيل إميلي مايهيو بشمّ 400 قارورة غير معّرفة وقاموا بالإبلاغ عن 55 رائحة اكتشفوها في كلّ منها. تلاحظ مايهيو، التي تعمل الآن في جامعة ولاية ميشيغان، أنّ الروائح المدركة تختلف اختلافاً كبيراً بين الأفراد، لذلك قام الفريق بحساب متوسط التقييمات البشرية لمقارنتها بتوقّعات الشبكة. في أكثر من نصف الحالات، اقتربت تخمينات الشبكة العصبية من متوسّط عدد كبير من أفراد المجموعة.

بعد ذلك، أنتج الفريق 500000 بنية كيميائية افتراضية، لكنّ الشبكة استنتجت سريعاً كيف يجب أن تشمّ رائحتها، مما يوفّر قاعدة بيانات من شأنها أن تساعد في البحث عن روائح الأطعمة الجديدة والعطور والمنظّفات وغيرها من المنتجات.

على الرغم من أن الشبكة العصبية تظهر أنّه من الممكن رسم خريطة لبنية المادّة الكيميائية الخاصّة برائحة معيّنة، إلّا أنّها تلقي القليل من الضوء على الخصائص البيولوجية الأساسية للرائحة ذاتها. فمن منظور البحث الأساسي، "ليس من الواضح ما إذا كان هذا تطوراً مهمّاً أو تدريجياً" خاصّة وأنّ الشبكة العصبية لم تثبت بعد قدرتها على تقييم خليط الجزيئات - كأنواع الروائح المعقّدة التي نواجهها في العالم الحقيقي.

"خريطة الرائحة" هذه لن تقدّر بثمن في مجال عمل الكيميائيين الابتكاريين في صناعات الأغذية والعطور، فقد تفتح سبلاً لإنتاج نكهات وعطور أكثر استدامة، خاصّة أنّ الخريطة لا تعمل فقط مع الروائح المعروفة أو تلك المتشابهة جداً من الناحية الهيكلية، بل يمكن أن تصف مجموعة فرعية واسعة من الجزيئات المختلفة.

"الحدود الآن باتت تدور حول الخلطات". فماذا لو تمّ تعليم وتطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرّف على الخلطات، بل وأبعد من ذلك إنتاج خلطات جديدة؟ هل سيفتح هذا مصدرا غير مستغلّ للبشرية لإنتاج ملايين الروائح المحتملة التي لم تكتشف بعد؟