تفاجأت بعض القوى السياسية، وربما ارتعبت من مشهد زيارة وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان الأخيرة للسعودية، وتفاجأت أكثر عندما استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الضيف الإيراني في لقاء لم يكن مدرجاً أصلا على جدول أعمال الزيارة، ليخرج منه رئيس الديبلوماسية الإيرانية ويعلن أنّ وليّ العهد السعودي قَبِل دعوة رسمية لزيارة طهران وسيلبّيها في الوقت المناسب، وليعلن أيضاً أنّ الرئيس الإيراني السيد ابراهيم رئيسي سيلبّي قريباً أيضاً الدعوة التي كان تلقّاها في آذار الماضي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز. ولكنّ الأهمّ من كلّ ذلك أكّد عبد اللهيان "أنّنا نعمل مع السعودية على التوصّل إلى وثيقة تعاون استراتيجي بعيد المدى تنظّم علاقات البلدين".

وكانت بعض القوى السياسية اللبنانية المعارضة روّجت في الآونة الأخيرة أنّ الاتفاق السعودي ـ الإيراني الذي رعته الصّين في آذار الماضي قد سقط، وبنت استنتاجها هذا على قراءات خاطئة لحركة تنفيذ هذا الاتّفاق بين الجانبين، في ضوء السّعي الأميركي المتجدّد لإقناع السعودية بتطبيع العلاقات بينها وبين إسرائيل، أسوة بدولتي البحرين والإمارات العربيّة المتّحدة اللتين وقعتا "اتفاقيات ابراهام" ( اتفاقية السلام) مع إسرائيل وطبّعتا العلاقات معها قبل سنوات. في حين فات هذه القوى أنّ العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية ما تزال في أسوأ حالاتها، منذ دخول الرئيس جو بايدن البيت الأبيض وهو الذي يستعدّ لخوض معركة للفوز بولاية ثانية، وقد ظنّت أنّ في الأمر اندفاعة سعودية إلى التطبيع مع إسرائيل كردّ فعل على "تباطؤ" إيران في تنفيذ ما فرضه الاتّفاق عليها من موجبات إزاء الرياض.

تبخّر قراءات واستنتاجات

كلّ هذه القراءات والاستنتاجات تبخّرت لحظة إعلان عبد اللهيان عن زيارته للسعودية، ومن ثمّ قيامه بها، وتبخّرت نهائياً بمجرّد أن طلب وليّ العهد السّعودي اللقاء معه، والأكثر من ذلك أنّه استقبله في "قاعة القدس" في رسالة سعودية واضحة في غير اتّجاه، وخصوصاً إلى الأميركيين والإسرائيليين بأنّ مسألة التطبيع ليست بالأمر الذي يمكن لدوائر القرار السعودي إمراره خارج مبادرة السّلام العربية، التي طرحها العاهل السّعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمّة بيروت العربية عام 2002. ذلك أنّ السعودية عاصمة العالم الإسلامي وأرض الحرمين الشّريفين لا يمكنها التّطبيع مع إسرائيل إلّا في إطار سلام عربي شامل وفق مندرجات المبادرة العربية للسلام، والتي تكفل في أساسها حقّ الشعب الفلسطيني في دولة عاصمتها القدس الشريف، وعودة كلّ الأراضي العربية المحتلّة إلى حدود العام 1967.

وفي هذا السياق ينقل زوّار طهران هذه الأيّام عن مسؤولين إيرانيين اقتناعهم بأنّ المملكة السعودية لن تطبّع أيّ علاقات مع إسرائيل، وأنّها أرادت من استقبال وزير الخارجية الإيراني توجيه رسالة إلى الأميركيين مفادها "أنكم إذا كنتم تمسكون بورقة حرب اليمن سلماً أو حرباً فإنّنا قادرون على التفاهم مع إيران بما يؤدّي إلى وقف هذه الحرب". ويبدو أنّ طهران ستعمل مع الرياض في هذا الاتجاه، وسيظهر هذا الأمر في وقت قريب. فوزير الخارجية السّعودية الأمير فيصل بن فرحان أكّد بعد محادثاته مع نظيره الإيراني "أنّ رغبتنا صادقة لتعزيز الثقة المتبادلة"، مشدّداً على أهمّية تعزيز نطاق التعاون مع إيران ومؤكّداً "حرص السعودية على تفعيل الاتفاقات السابقة بين البلدين خصوصاً في الجوانب الأمنية". فيما أكّد عبد اللهيان "أنّ العلاقات بين البلدين تسير في الاتّجاه الصحيح وتشهد تقدّماً"، مؤكّدا "أنّ فكرة تحقيق الأمن والتنمية في المنطقة لا يمكن تجزئته"، أنّ البلدين اتفقا على "تسمية لجان فنية وتخصصية" بينهما.

على أنّ أكبر رسالة سعودية اعتراضية على الضغوط الأميركية التي تحاول واشنطن من خلالها تأكيد مقولة أن لا حلول للأزمات في المنطقة، وتحديداً في اليمن وسوريا خارج إرادتها، تمثّلت في إعلان وليّ العهد السعودي أنّه سيزور إيران "في الوقت المناسب"، ما يؤكّد أنّ السعودية ستذهب في العلاقة مع إيران إلى أقصى الحدود، خصوصا وإنّ إيران هي دولة إقليمية عظمى تستطيع باتّفاقها مع السعودية الدولة الإقليمية العظمى أيضاً أن تغيّرا المعادلات في المنطقة لمصلحة العالمين العربي والإسلامي.

عوامل انتظارية

وبالعودة إلى الواقع اللبناني، يقول سياسي معنيّ مباشرة بالاستحقاق الرئاسي، أن تصرّف غالبية القوى السياسية حيال هذا الاستحقاق كان ولا يزال تحكمه العوامل الانتظارية، بعدما فقدت زمام المبادرة فيه عندما أوكلت أمره إلى الخارج، وتحديداً إلى المجموعة الخماسية العربية ـ الدولية، وهذه الأخيرة تحكمها أيضا عوامل انتظارية أخرى تمنعها من الحسم السريع في الشأن اللبناني، إذ أنّها تنتظر ما ستؤول إليه الاوضاع في المنطقة في ضوء الاتفاق السعودي ـ الإيراني، وتحديداً الإوضاع بين السعودية وإيران سواء في ما يخصّ اليمن والعراق وسوريا ليأتي بعدها دور لبنان. وحده الموقف الفرنسي شبه محسوم ويبدو الأكثر واقعية من حيث إدراكه أنّ الحلّ في لبنان لا يمكن إلاّ أن يكون توافقياً ومتكاملاً (رئيس جمهورية، رئيس حكومة، حكومة، وبرنامج إصلاحات)، ولذلك هو متمايز عن مواقف بقية المجموعة الخماسية التي ما تزال تعتقد أنّ السلطة اللبنانية الجديدة يجب أن تكون عناصرها من خارج المنظومة السياسية القائمة، بدءاً برئيس الجمهورية، ومن هنا يفهم سبب تمسّك قوى المعارضة بما تسمّيه "الرئيس السيادي" ومعه رئيس حكومة يماثله وكذلك وزراء حكومته، وهو ما تعبّر عنه بمعارضتها انتخاب رئيس من "المنظومة" المسؤولة في رأيها عن تخريب البلاد وإفسادها، مع العلم أنّ هذه القوى كانت حتّى الأمس القريب في عدادها. ولذلك تراها متوجّسة ومتردّدة، بل ممتنعة الآن عن حسم خياراتها ازاء صفقة الحلّ الشامل، وهي لن تفعل ذلك إلّا بعد أن تتظهّر الخيارات التي ستعتمدها الخماسية في اللحظة السياسية الإقليمية والدولية المناسبة، إلى درجة أنّه نقل عن مرجع مسؤول قوله أنّ مقاطعة المعارضة و"التيار" لجلسة تشريع الضرورة التي كانت مقررة الاسبوع الماضي، إنّما تكشف أنّ أَوان تقديم هذا الطرف أو ذاك التنازلات المطلوبة لم يحن بعد، وأنّ أحداً لن يستهلك أوراقه الآن في انتظار تبلور ما ستؤول إليه خيارات المجموعة الخماسية والحوار الدائر بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".

التطورات الايجابية على الجبهتين اليمَنية والسورية من شأنها أن تنعكس تلقائياً على لبنان

على أنّ هذا المرجع، يتوقّع في ضوء عودة الحرارة بقوّة إلى التّواصل السعودي ـ الايراني أن تحصل بعض التطورات الايجابية على الجبهتين اليمنية والسورية من شأنها أن تنعكس تلقائياً على لبنان، ففي أثناء وجود عبد اللهيان في السّعودية كان هناك وفد عُماني في صنعاء يبحث مع الحوثيين في ترتيبات الحلّ اليمني، الذي يعمل عليه وسيطاً بينهم وبين الجانب السعودي الذي يتولى من جانب آخر أمر معالجة موقف دولة الإمارات العربية المتّحدة التي تريد تقسيم اليمن إلى يمنين، نظراً لمصالحها البترولية وغير البترولية في اليمن الجنوبي، فيما الحلّ الذي تعمل عليه السعودية والحوثيون يتمسّك ببقاء اليمن واحداً لا يمَنَيْن.