جمال واكيم

هل نقبل الدعوة الموجهة إلينا من قبل العلاقات الإعلامية في حزب الله للتوجه إلى إيران؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحناه، بعض الأصدقاء الإعلاميين والأكاديميين وأنا على بعضنا. فوفقاً للإعلام الغربي والعربي التابع لبعض الدول العربية المخاصمة لإيران فإن الأوضاع متفجرة والصدامات تحدث في الشوارع عدا عن عمليات التفجير والاغتيال من قبل بعض المعارضين ضد أفراد الشرطة والأمن العام في البلاد. والتحليلات في وسائل الإعلام هذه تركز على أن الولايات المتحدة وحلفاءها الذين يخوضون حرباً ضروسا ضد إيران وحلفاءها في المنطقة قد قرروا "تحريك الجبهة الشرقية" ونقل المعركة من سورية ولبنان وفلسطين في الغرب إلى إيران نفسها في الشرق. أما المسألة المحورية التي اتخذت شرارة لتفجير الوضع في البلاد فهو قضية مهسا أميني التي توفيت في أحد أقسام الشرطة بعدما كانت قد اعتقلت لرفضها لبس الحجاب.

[caption id="attachment_2914" align="aligncenter" width="1024"] حركة طبيعية وتسوّق على الرصيف[/caption]

هذه كانت الصورة النمطية التي تم نشرها في وسائل الاعلام الغربية والعربية إضافة إلى مواقع التواصل الاجتماعي. هنا ينتصر حس المغامرة وغريزة الصحافي فينا. إذن نذهب إلى إيران للتحري بأنفسنا عن الأوضاع هناك والحصول على قصص مثيرة تكون مادة إعلامية شيقة بالنسبة لنا.

الانطلاقة من مطار بيروت على متن الخطوط الجوية الإيرانية ماهان. ما هي إلّا ساعتين ونصف حتى كانت الطائرة تحط في مطار الإمام الخميني، وكانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل في توقيت طهران. الدخول إلى إيران لا يحتاج إلى فيزا بالنسبة للبناني، أما استقبالنا فكان من قبل عدد من الشباب العاملين في مكتب قناة المنار ومكتب الأمانة العامة لاتحاد الاذاعات والتلفزيونات الإسلامية. لكن الشباب لا يحملون سلاحاً. ماذا لو تعرض موكبنا المؤلف من سيارتي فان كبيرتين لهجوم من قبل المعارضين الإيرانيين؟ ألا يجب أن نكون بحماية مسلحة بناء على الأخبار الواردة في وسائل الإعلام الغربية؟

نصل إلى فندق ازادي في شمال طهران، وهي المنطقة التي كانت الأكثر ولاء للشاه قبل الثورة الإسلامية في العام 1979. وهي المنطقة التي تصنّف على أنها الأكثر تمرداً على الدولة. ألم يحسب المنظمون حساباً لهذا الأمر؟ كيف يأتون بنا إلى منطقة ملتهبة وفقا للإعلام الغربي؟ أسر بهواجسي وهواجس بعض أعضاء الوفد إلى أحد المنظمين فيرد علي بأن لا صحة لكل هذه الهواجس. هذا جائز.

في اليوم التالي يجب أن نستيقظ باكراً لتناول الإفطار ولقاء المنظمين. يتم توزيع برنامج الرحلة. يجب أن نستعد للذهاب إلى برج ميلاد وهو أحد المعالم الرئيسية في طهران. ننطلق عند الثانية بعد الظهر بعد أن تناولنا طعام الغذاء. الطريق مزدحم بالسيارات وهو من أكثر مميزات طهران "إزعاجا". على الطريق الأمور عادية وليس هنالك أي إجراءات أمنية توحي بأن هنالك أزمة في البلاد. قد تكون الإجراءات الأمنية حول برج ميلاد والمعالم الرئيسية في طهران وسائر أنحاء إيران. لكن، لا. ليس هنالك إلّا بعض عناصر شرطة المرور لتنظيم حركة السير الكثيفة. كيف هذا؟ ألا يخشى المسؤولون من أعمال تخريبية في المكان؟ قد يكون هنالك مظاهرات. لكن نصل إلى حرم البرج ولا نجد إلا حركة كثيفة للزوار. الأمر طبيعي في هذا اليوم فهو الجمعة وهو يوم عطلة في إيران يستفيد منه المواطنون للاستجمام.

نصل إلى البرج الذي بدأت أعمال بنائه في العام 1997 واكتملت في العام 2007 بخبرات ايرانية مئة بالمئة ليكون رمزاً للثورة الإسلامية. نصعد إلى أعلى البرج للتفرج على طهران. حتى الآن كل شيء هادىء. نقوم بجولة على بعض أقسام البرج الذي يحتوي معرضا لتماثيل أبرز الشخصيات الإيرانية. هذا ابن سينا بين الشخصيات وليس بعيداً منه الحاج مصطفى شمران والحاج قاسم سليماني في عمل متقن.

فلننزل إلى أسفل البرج حيث المحال التجارية. بعض الزميلات حديثات العهد بالحجاب الذي يسقط عن رؤوسهن. فيتولى الرجال في الوفد تحذيرهن مراراً وتكراراً لضرورة "تزبيط الحجاب". لكن ننظر حولنا فنجد بعض الصبايا الإيرانيات سافرات والمنديل على أكتافهن. هل ستتحرك شرطة الاخلاق لتنبيههن؟ لكن أين هي شرطة الاخلاق؟

ننهي الجولة في برج ميلاد ونتحرك باتجاه إيران مول وهو أكبر المراكز التجارية في الشرق الأوسط ويملكه رجل اعمال إيراني اسمه علي أنصاري. مرة جديدة على الطرقات ليس هنالك إجراءات أمنية، كذلك الأمر في المركز التجاري. أين الاحتجاجات والمظاهرات والمواجهات مع الشرطة. ليس هنالك شيء من هذا القبيل. نجول في بعض أقسام المركز التجاري. هنالك ماركات تجارية إيطالية وألمانية ووكالة لشركة فولفو. ماذا عن العقوبات الغربية على إيران؟ لا يبدو أنها تنطبق على الكثير من العلامات التجارية.

مرة جديدة تختلط الصبايا السافرات والمحجبات في المركز التجاري ولا أحد يتعرض لهن. ختام الجولة في مقهى لتناول العشاء ولأن البعض يريد تناول الشيشا. المطعم يقدم المأكولات الغربية كالهمبرغر والبيتزا ومشروبات الكوكا كولا وبيبسي وغيرها المعبّأة في إيران. مديرة المطعم شابة غطت رأسها ببرنيطة اتقاءً للبرد ومن تحت البرنيطة نزلت ظفائرها الشقراء المجدولة. المقهى يضع موسيقى غربية. هل تسمع؟ إنها المطربة أدال. هذه أغنية أوتيل كاليفورنيا، وهذه أغنية لمطرب لبناني. لقد عرفوا بأننا عرب وبدأوا يرحبون بنا بوضع أغنيات عربية.

ما هي إلّا دقائق وتأتي فرقة موسيقية من ثلاثة شبان بدأوا يعزفون على الغيتار والأورغ والطبلة أغان ايرانية. غريب جدا. هنالك أغان إيرانية. أنظر هناك. هنالك شابات إيرانيات خارج المقهى المفتوح يرقصن على انغام الموسيقى. أكيد شرطة الاخلاق ستظهر. شرطة الاخلاق لا تظهر. أين شرطة الاخلاق؟ أسأل أحد المرافقين فيجيب: ليس هنالك شرطة أخلاق فهي غير مفعلة منذ سنوات عدة. بعد ذلك تأتي ثلاث شابات وتجلسن بالقرب منا. المنديل يتدلى على أكتافهن ليظهر الشعر الأسود لفتاتين فيما الثالثة شقراء. وإذا بهن يبدأن بالغناء مع المطرب والتمايل على أنغام الموسيقى.

في اليوم التالي وفي جولاتنا على مجلس الشورى وفي السوق الشعبية للجلد وفي جولاتنا على عدد من المناطق في طهران لم نجد أي حركة احتجاج أو أي إجراءات أمنية. أين هي التظاهرات والمواجهات وأعمال القمع للسافرات التي تحدث عنها الإعلام الغربي؟ ليس هنالك أي من هذه المظاهر. يبدو أن كل شيء هادىء في إيران، الجبهة الشرقية لمحور المقاومة، التي أرادت الولايات المتحدة والغرب إشعالها، ولهذا المقال تتمة.