السياسة والجغرافيا عاملان مترابطان، العامل السياسي يطغى أحياناً، فيما الجغرافيا يكون لها الكلمة الفصل أحياناً أخرى، وتعطي مالكها أوراق القوّة. الجغرافيا قد تكون نعمة وقد تكون نقمة. علّة الدّول الصغرى هذا العامل الذي ينكبها أحياناً. وقد يعطيها مكانة لا تنالها دول أكبر حجماً وقدرات.

الموقع الجغرافي لسوريا، كقلب للمشرق يتوسّط العراق الذي تعرض لغزوتين متتاليتين، غزو أميركي تلاه تمدّد إيراني، ما قلب المعادلات الجيوسياسية. وتركيا الجديدة الطّامحة لاستعادة أمجاد الامبراطورية، وإسرائيل الكيان المتربّص بالجميع. كل هذا جعل سوريا في مرمى الأقدار والحرب المتواصلة. كذلك تموضعها في العقدة الأساس لطرق إمداد الطّاقة بين الخليج وأوروبا جعلها هدفاً للطامحين بكسر الاحتكار الرّوسي لهذه المادة الحيوية، وهو الأمر الذي يحصل منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

روسيا، أدركت أهمّيّة هذا الموقع الاستراتيجي ولم تتوان عن الذهاب بعيداً باستخدام أعتى أسلحتها لإحكام السيطرة عليه. الغرب فعل كلّ ما استطاع فعله لقطع دروب موسكو، عبر الإمساك بأجزاء حيوية من المناطق السورية والمعابر الرئيسية ومنع الاستقرار. الصين أيضا أدركت أهمّية سوريا في إنجاح مبادرة الحزام والطريق وإحياء طريق الحرير، فكانت دمشق من أوائل المشمولين بهذه المبادرة، لكنّ الحرب السورية حالت دون تفعيل معظم بنودها.

اليوم تعود الصين إلى سوريا بتوقيع اتفاق شراكة استراتيجي، في صلبه جعل بلاد الشام نافذة المبادرة الصينية على الواجهة الشرقية للبحر المتوسط باتجاه أوروبا وإفريقيا.

عادت بكين متخلّيّة عن تحفّظات طبعت سياستها إزاء سوريا خلال الحرب. صحيح أنّها شهرت الفيتو مرّات عدّة في مجلس الامن بالتضامن والتكافل مع حليفتها روسيا دفاعا عن النظام في دمشق وسياساته. لكنّها ظلّت متمسّكة بشروط ومعايير تمنعها من توقيع اتفاقات ثنائية مع دول لا يتوافر فيها الاستقرار الأمني، وأن يكون لديها ضمانات سيادية من أجل الاستثمار، وهي شروط لا تتوافر في الدولة المنكوبة، والتي ترفض أيضا إعطاء الضمانات السيادية لأحد.

ما الذي تغيّر حتّى تخلّت بكين عن هذه الشروط والتحفّظات توصّلاً إلى اتفاق رفيع المستوى؟

مرّة أخرى، إنّها الجغرافيا تقول كلمتها. صحيح أنّ زيارة الرئيس بشار الأسد للصين تأتي في مناسبة افتتاح الألعاب الرياضية الآسيوية في هانغتشو، لكن لا يمكن فصلها عن أحداث بارزة أهمّها إطلاق الصين في المؤتمر الأخير لحزبها الشيوعي سياسة التخلّي عن الحذر والتركيز على الاقتصاد، والانتقال إلى تحويل القوّة الاقتصادية إلى فعل سياسي متقدّم يتيح لبكّين حضوراً أقوى في الدول المعنية، لاسيّما تلك التي تعاني من الهيمنة الغربية وتريد الخروج من عباءتها. وثانيها أنّ هذا التطوّر لا يمكن فصله عن السباق العالمي المحتدم على الممرّات الدولية للإمساك بمفاصل التجارة الدولية والتحكّم بأنفاس الكوكب وسياساته، لاسيما في ظلّ طموح الصين بالجلوس على قمة الاقتصاد العالمي. وهكذا يمكن تفسير السلوك الصيني كأنّه ردّ فوريّ وعاجل على مشروع الممرّ الهندي الخليجي الأوروبي، الذي أعلنه الرئيس الأميركي جو بايدن في القمّة الأخيرة لدول مجموعة العشرين في نيودلهي، والهادف إلى قطع الطريق أمام مبادرة الحزام الصينية، كذلك ردّ ضمنيّ على "الممر العشائري" الذي يهدف إلى الوصل بين التنف والبوكمال لقطع طريق التواصل بين طهران ودمشق مروراً ببغداد.

بخطوة كهذه تسعى الصين إلى تأمين قاعدة مرور إلى أوروبا بديلاً عن ميناء حيفا الذي يُجرى سحبه من تحت رجليها، وكسب المتضرّرين من المشروع الهندي الأوروبي وفي طليعتهم المستثنون منه، وهم كثر، وفي مقدّمهم العراق الذي أطيح رئيس وزرائه عادل عبد المهدي عام 2019 بثورة ملوّنة عشيّة سفره إلى بكين لتوقيع اتفاق شراكة استراتيجي معها، كذلك مصر وتركيا "الخاسران الأكبران" من مشروع نيودلهي الذي يعزل قناة السويس ومضيقي البوسفور والدردنيل عن مخططاته.

تسعى الصين إلى تأمين قاعدة مرور إلى أوروبا بديلاً عن ميناء حيفا الذي يُجرى سحبه من تحت رجليها

إنّه تحوّل كبير، لكن دونه الكثير من العقبات والأسئلة. فهل تستكمل الصين مشروعها السوري وتوفّر الحماية له بإنجاز تسوية سياسية بين المعارضة السورية والنظام وتحقيق خرق عجز عنه الجميع من قبل، علىى غرار ما فعلت برعايتها للاتّفاق الإيراني السعودي الذي غيّر المعادلات في المنطقة؟ ماذا عن الولايات المتّحدة صاحبة القدرة على فرض الفيتو على قرار يتعلّق بسوريا بحكم إمساكها بالمعبر الرئيسي في التنف وبشرق الفرات، المصدر الأهمّ للموارد السورية؟ ماذا عن روسيا التي استثمرت كثيراً سياسياً وعسكرياً في سوريا، فهل تتخلّى عن مكاسبها نتيجة لوضعها الحالي وحاجتها الماسّة للأوكسجين الصيني أم تأخذ الثّمن في مكان آخر؟ ماذا عن الشركات الصينية المهدّدة بعقوبات قيصر في حال تجاوزها، فهل تلجأ إلى التحدّي أم تلتزم القواعد والشروط كما فعلت سابقاً إزاء العقوبات الغربيّة ضدّ طهران؟ ماذا عن النظام السوري هل هو قادر على إقرار تشريعات وإجراء إصلاحات جذرية تتلاءم مع شروط الاستثمار الصيني والاستجابة لمتطلّبات الانفتاح الاقتصادي؟ والأهم هل في استطاعة النظام تقديم تنازلات سياسية تسمح بانفراجات ضرورية لتوفير الاستقرار؟ ماذا عن الجيوش الأجنبية الأخرى الموجودة على الأرض السورية ولكلّ منها أجندتها الخاصة؟

أسئلة ستبقى بلا أجوبة في ظلّ مخاض إقليمي دولي يتغيّر كلّ ساعة ويفجّر المفاجآت ويبدّل أحوال دول وشعوب.