لم تعد الرؤية المشوّشة تقتصر على النّاظر إلى الوضع اللبناني عن قرب، إنّما تعدّتها لأيّ مراقب عن بعد أيضاً. "الطربوش الأحمر" الذي يعتلي المنازل في القرى والأرياف وأبنية المدن القديمة، غزاه "السّواد" في الأعوام الثلاثة الماضية. فاستحالت السطوح غابة لألواح الطّاقة الشمسية، تمتصّ النور الطبيعي لتضيء العتمة الاصطناعية التي اغرقت المنظومة اللبنانيين فيها لعقود طويلة.

الاعتماد على مصادر الطّاقة المتجددة، لا يقتصر بطبيعة الحال على لبنان، فهو هدف عالمي ترعاه الأمم المتحدة، و"مؤتمر الأطراف"، لتجنّب الآثار التدميرية لتغيّر المناخ. وقد وضعت الدول نصب أعينها هدف واضح وصريح: خفض الانبعاثات الكربونية بمقدار النصف تقريباً بحلول العام 2030، والوصول بها إلى مستوى الصفر بحلول عام 2050. وهو الأمر الذي يتطلّب أوسع عملية انتقال نحو المصادر البديلة للوقود الاحفوري، ومن أبرزها الخلايا الشمسية، وطواحين الرياح، واستخدام النفايات.

الحاجة الفرديّة هي المحرّك

اللافت في لبنان، الذي يسير من دون هدى على دروب التحوّلات العالمية، هو أنّ الانتقال إلى الطاقة المتجدّدة أتى بمنأى عن السياق العالمي، بحسب الخبيرة في مجال الطاقة كرستين أبي حيدر، للأسباب التالية:

- الاعتماد المكثّف على المبادرة الفردية في الانتقال إلى الطّاقة الشمسية، من دون وجود خطة عامّة واضحة، وصريحة الأهداف.

- تحكّم الحاجة بهذا الانتقال، وليس الوعي لمخاطر الاعتماد على الوقود في انتاج الكهرباء.

- الاتّكال على أنظمة الطّاقة الشمسية، دون غيرها من مصادر الطاقة البديلة، كالهواء واستعمال النفايات..

1500 ميغاواط من الطاقة الشمسية

تشير أرقام "الدولية للمعلومات"، استناداً إلى البيانات الصّادرة عن المديرية العامّة للجمارك اللبنانية خلال الاعوام 2020- 2023 (حتّى نهاية الأسبوع الأول من شهر آب) إلى أنّ "قيمة ألواح الطّاقة وصلت الى 558 مليون دولار. وإذا ما اعتبرنا أنّ قيمة اللوح الواحد 160 دولار، يكون عدد الألواح 3 ملايين و490 ألف لوح. قدرة كلّ لوح هي 560 واط، تنتج مجتمعة نحو 2000 ميغاواط. لكن نظراً لكون 20 في المئة من هذه الالواح غير مباع بعد، يمكن الاستنتاج أنّ حجم الطّاقة الفعلية المركّبة لغاية الآن هو 1564 ميغاواط".

تشكّل الكمّيّة المنتجة من الطاقة الشمسية نحو 50 في المئة من مجمل حاجة لبنان إلى الكهرباء والبالغة حوالي 3000 ميغاواط. وإذا أخذنا بعين الاعتبار قدرة المعامل الحرارية السبعة التي تنتج 2368 ميغاواط في حال وضعت بكامل قدرتها الانتاجية، وأضفنا إليها المعامل المائية التسعة التي تنتج 252 ميغاواط، لاستنتجنا أنّ المجموع العام للطاقة المنتجة من المعامل الحرارية والمائية وألواح الطّاقة الشمسية يصل إلى 4120 ميغاواط. وهذه الكمّية لا تكفي للاستهلاك الداخلي فحسب إنّما تسمح بتصدير الفائض. إلّا أنّه بسبب تقادم المعامل والاضطرار إلى صيانة المجموعات بشكل دوري والتأثّر بكمية المتساقطات، وعدم القدرة على تأمين الفيول دفعة واحدة، فإنّ الكمّية المنتجة من المعامل تصل بأحسن الأحوال إلى 1500 ميغاواط. ومع هذا تبدو الكمّية كافية لتغطية حاجة لبنان 24/24 فيما لو أضفناها إلى الكمّية المنتجة من الطاقة الشمسية.

سلبيات التوسّع بإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية في لبنان

مقابل الإيجابيات الكبيرة للتوسّع بتركيب أنظمة الطاقة الشمسية، تبرز سلبيات خطيرة جداً، لا تتعلّق فقط بعدم احترام إجراءات السلامة بعملية التركيب، ومراعاة التنظيم المدني والمشهد العام، إنّما بانتفاء الحاجة إلى الإصلاحات الجوهرية بالقطاع. فمع إمكانية الوصول مطلع العام 2024 إلى انتاج ثلثي الكهرباء من الطاقة الشمسية الفردية، تنتفي الحاجة إلى أربعة أمور بالغة الأهمية كان يعوّل عليها لبنان لإصلاح قطاع الكهرباء:

الأمر الأول، يتعلّق باستكمال تنفيذ الاتّفاق لاستجرار الغاز من مصر إلى معمل دير عمار والكهرباء من الأردن، الذي يرعاه البنك الدولي. أهميّة هذا الاتّفاق لا تتعلّق بكمّية الطاقة المستجرّة، والتي لن تتجاوز 250 ميغاواط من الربط الكهربائي مع الأردن وتأمين حوالي 450 ميغاواط من معمل دير عمار، إنّما بالشروط الإصلاحية الموضوعة. فهذا الاتفاق الذي وقّعه لبنان بالفعل في زمن العتمة الكاملة، اشترط بشكل أساسي "تخفيض العجزين، التقني النّاتج عن اهتراء الشبكة وتقادمها. وغير التقني الناتج عن سرقة الكهرباء وعدم تسديد الفواتير. واشترط أيضا إنشاء الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء كما أقرّها القانون 462/ 2002"، يقول الخبير في قطاع الطاقة محمد بصبوص. "وكلّ الخوف اليوم أن يُضرب بهذه الإصلاحات عرض الحائط نتيجة انتفاء الحاجة إلى استجرار الطّاقة من الخارج. وهو الأمر الذي يرتدّ سلباً على الاقتصاد والمواطنين ويبقي قطاع الكهرباء مكلفاً وغير فعّال".

الأمر الثاني، يتعلّق بانتفاء الحاجة للضغط لإقرار "قانون انتاج الطّاقة المتجدّدة والموزّعة"، وتطبيقه بالشّكل الصحيح والملائم. فهذا القانون الذي يحكم العلاقة المحترفة بين منتجي الطّاقة ومستهلكيها في القطاع الخاص "ولد ميتا" على حدّ توصيف كرستينا أبي حيدر. وذلك نظراً لربطه بالهيئة الناظمة للقطاع غير المشكّلة أصلاً، والتي يعتري تشكيلها عقبات كثيرة.

الأمر الثّالث، العجز عن تأمين الاستقرار على شبكة الكهرباء. الأمر الذي يحرم اللبنانيين من فرصة تركيب العدّادات الذكية وتبادل الكهرباء في ما بينهم. وبالتّالي الاستفادة من فائض الإنتاج.

الأمر الرابع، انتفاء الحاجة إلى الحلول الطاقوية الوطنية على صعيد إنشاء حقول الطاقة الشمسية وحقول الرياح. وهما المشروعان الوطنيان اللذان يضع المستثمرون رخصهما في جيوبهم منذ سنوات. الأول منذ نحو عام تقريباً، فيما الثاني محتجزة رخصته منذ أكثر من ستة أعوام. فقبل نحو عام أعطيت رخص إنشاء 11 مشروعاً من الطاقة الشمسية بقدرة انتاج 15 ميغاواط لك منها، لم تبصر النور بعد. فيما مشروع هواء عكار، "ذهب مع الريح"، بحسب عناوين إحدى جلسات مؤتمر "أسبوع بيروت للطّاقة" الذي عقد قبل أيام. ولم يباشر بالمشروع الذي رخّص له في العام 2017.

المشكلة في المشاريع على الصعيد الوطني تعود إلى الترخيص السياسي. وهو الترخيص الذي لا يخضع فقط للمصالح السياسية والتوازنات الخبيثة، انما يفتقد إلى المعرفة التقنية التي تتقنها الهيئات المختصة. وطالما "اللاتخطيط" مستمّر من دون الهيئة الناظمة لقطاع الطاقة، التي كان من المفترض إنشاؤها منذ العام 2022، فإنّ لبنان سيبقى عالقاً في الطّاقة الشمسية الفردية ضارباً بعرض الحائط الحاجة إلى تأمين "الأمن الطاقوي".