كنت أنتظر دوري في المصرف عندما بدأت بمراقبة الموجودين، وهذه عادة متأصلة لدي لم أستطع تغييرها. أحصيت 27 شخصا، 23 منهم عيونهم على هواتفهم النقالة.

في عصرنا هذا، لا يعتبر هذا الأمر غريباً، لكن ما أدهشني حقا هو مقدار المشاعر التي رأيتها على وجوه الناس خلال هذه العملية، من هو السعيد ومن هو الغاضب أو الحزين أو أولئك الذين يحاولون كتم ضحكة عالية.

هذا السيناريو الصباحي ذكرني بـ Jexi، وهو فيلم كوميدي أنتج في 2019 ويروي قصة هاتف ذكي مدرك لذاته يصبح مرتبطا عاطفيا بمالكه المحرج اجتماعياً. هذا واحد من قائمة طويلة من الأفلام المماثلة التي تسلط الضوء على حقيقة قوية ينكرها الجميع تقريبا: لقد أصبحنا مرتبطين جداً بأجهزتنا الذكية، إذ لم أرد القول إنها تسيطر علينا بالكامل.

الجدل يدور الآن حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحلّ محلّ البشر في القوى العاملة، وغالباً ما يتلخّص ذلك في تفسير فلسفي مفيد: نعم، في معظم مهام العمل المتكررة واليدوية، بينما سيتفوق البشر في المهارات الشخصية مثل التواصل الإبداعي وبناء العلاقات. في حين أن بعض هذا صحيح - سيستخدم كل من البشر والآلات نقاط قوتهم.

لطالما كان البشر قادرين على ادّعاء الإتقان أكثر من الآلات عندما يتعلّق الأمر بفهم العاطفة. لكن هذا لن يكون هو الحال لفترة طويلة. في حين أن البعض قد يشك في أن الآلات ستتعدى على العاطفة، فإن أولئك الذين يعملون في مجال الذكاء العاطفي الاصطناعي، المعروف أيضا باسم أو الحوسبة العاطفية، يقولون أن ذلك قد يكون ممكناً في الأمد القريب، ويقدر أن يصل سوق الحوسبة العاطفية العالمي إلى 174 مليار دولا مع حلول العام 2025.

تعمل الآلات الجديدة على تغيير الطريقة التي نعمل بها، إذ أشار تقرير صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2020 إن 85 مليون شخص يتوقع فقدانهم لوظائفهم بحلول العام 2025 بسبب الذكاء الاصطناعي، إلّا أنّه يبدو أن هذه الوتيرة تغيرت في عام 2023، لتتسارع بفضل تقنيات مثل DALL-E و ChatGPT ، Bard من بين العديد من روبوتات الدردشة الذكية.

مع ذلك، لا تزال المؤسسات بحاجة إلى البشر، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي ولكن إلى متى؟

تعد تنمية الذكاء العاطفي واحدة من أهم الطرق وأكثرها فعالية للقيام بذلك. يتمتع الذكاء العاطفي بالقدرة على اكتساب وتطبيق المعرفة والمهارات في مجالين رئيسيين: الارتباط الشخصي (فهم النفس، الشعور والرغبة) والتواصل بين الأشخاص (استشعار نوايا الآخرين ورغباتهم).

هل هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة الذكاء العاطفي للبشر؟

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي بارعاً جداً في إنشاء محاكاة مقنعة للكتابة البشرية. كما أظهر القدرة على الرسم مثل الإنسان والتحدث مثله. ولكن لماذا لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تفسير المشاعر مثل الإنسان؟

هناك عدة أسباب. الأدوات مثل ChatGPT فعالة فقط في حالة تكرار الكتابة البشرية لأنها مدرّبة على البحث في مجموعات بيانات هائلة بدقة نسبية (أي أنّ الذكاء الاصطناعي يمسح ألف جملة ليتمكّن من إنتاج جملة خاصة به بسهولة نسبياً). ومع ذلك، فإنّ العواطف، المتعارف عليها عند الإنسان، هي موضوع أصعب بكثير.

ما هو الذكاء العاطفي الاصطناعي؟

هو قدرة أجهزة الكمبيوتر على قراءة العواطف من خلال تحليل البيانات، بما في ذلك تعبيرات الوجه والإيماءات ونبرة الصوت وقوة الضغط على مفاتيح لوحة الكتابة، لتحديد الحالة العاطفية للشخص ثم التفاعل معها. ستسمح هذه القدرة للبشر والآلات بالتفاعل بطريقة أكثر طبيعية ومشابهة جداً لكيفية التفاعل بين البشر.

بدأ العمل على مفهوم الحوسبة العاطفية في عام 1995 في مختبر الوسائط التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عندما جمعت الكاميرات والميكروفونات وأجهزة الاستشعار الفسيولوجية استجابات عاطفية لتحديد المشاعر، ثم استجابت الآلات لتلك المشاعر. اليوم، يمكن أن تساعد مهارة الآلة في تقييم البيانات في التقاط الفروق العاطفية الدقيقة التي قد يفوتها بعض البشر.

كيف يعمل الذكاء العاطفي الاصطناعي؟

يمزج الذكاء العاطفي الاصطناعي رؤية الكمبيوتر وأجهزة الاستشعار والكاميرات مع أطنان من بيانات العالم الحقيقي وعلوم الكلام وخوارزميات التعلّم العميق، فتقوم أنظمة الذكاء العاطفي الاصطناعي بجمع البيانات ومعالجتها ومقارنتها بنقاط البيانات الأخرى التي تحدد المشاعر الرئيسية مثل الخوف والفرح. بمجرّد تحديد العاطفة المناسبة، تفسّر الآلة المشاعر وما قد تعنيه في كل حالة. مع نمو قاعدة بيانات المشاعر، تتحسن الخوارزميات في تحديد الفروق الدقيقة في عملية التواصل البشري.

كيف يتم استخدام الذكاء العاطفي الاصطناعي اليوم؟

أثبت الذكاء الاصطناعي عدم قدرته على تفسير تعابير وجه الناس بشكل صحيح على أساس ثابت، في حال كانت تعبيرات الوجه هي الدليل الدّقيق للحالة البشرية.


يتّفق معظم علماء النفس على أنّ البشر يتعلمون من خلال العمل، ومن خلال ارتكاب الأخطاء والتكرار والتجربة. لكن العديد من التجارب (حتى تلك التي يمكن أن تسفر عن معلومات مفيدة) تتجاوز الحدود الأخلاقية. قد يكون السماح للروبوتات بارتكاب الأخطاء مكلفاً أو حتى مميتاً. لذا لا يمكننا القول إن المخاطرة بإلحاق الأذى بأعداد هائلة من الناس هو دليل على الذكاء الاصطناعي الأكثر ذكاءً.

مع ذلك، يساعد الذكاء العاطفي الاصطناعي الآن المعلنين والمسوقين على تحليل تعبيرات الوجه لحظة بلحظة. وتستخدم الشركات كاميرات الويب و الكمبيوتر مدموجة بتقنيات الذكاء العاطفي الاصطناعي لتحليل تعابير وجه المشاهد عند مشاهدة مقاطع الفيديو مما يسمح لهم بتقديم ملاحظات نقدية في ما يتعلق بفعالية التصميم المستخدم في الحملات الإعلانية التي تساعد الشركات على أن تكون أكثر فعالية في تسويقها.

للحصول على مثال أكثر دقة، لدى Microsoft فريق مكرس لتطوير تقنيات جديدة تعزز المرونة العاطفية والرفاهية يستخدم الذكاء العاطفي الاصطناعي لاستشعار الحالات العاطفية والاستجابة لها. يواجه فريق "الفهم البشري والتعاطف" تحدّياً يتمثّل في إدخال الذكاء العاطفي الاصطناعي إلى منتجات Microsoft ، وتحديداً في مجالات البحث التعاطفي والفهم البشري في الألعاب والأنظمة المخصصة للعمل والشركات.

لماذا الذكاء العاطفي أمر حيوي في عصر الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي أداة، ومثل أي أداة، يعتمد تأثيره في المجتمع على الأشخاص الذين يستخدمونه. على سبيل المثال، NoiseGPT ، التطبيق الذي يحول النص إلى أصوات المشاهير. فعلى موقعه الإلكتروني، يفتخر NoiseGPT بقيمه المتمثلة في "انعدام الرقابة" و "حرية التعبير المطلقة". أدوات مماثلة قد يساء استخدامها من خلال وضع كلمات عنصرية ومعادية وعنيفة في أفواه المشاهير أو أي شخص على وجه الكرة الأرضية. في حين أن ChatGPT وضع معاييراً صارمة لاستخدام المفردات العنصرية أو حتى التعبير عن المشاعر الإنسانية، ومع ذلك نصبح الإنترنت يوماً بعد يوم فضاءً أكثر فوضوية وأكثر كراهية وبالتالي أكبر قابلية على الخداع.

ولكن، هل نتجه إلى هناك؟


من خلال الاستفادة من التقدم في اكتشاف المشاعر ومعالجة اللغة الطبيعية (NLP) ودمجها مع علم النفس واللغويات، أصبحت خوارزميات الذكاء العاطفي الاصطناعي أفضل في قدرتها على اكتشاف وتحليل ومعالجة كيفية تأثير النغمة وطبقة الصوت وتعبيرات الوجه والاتصال بالعين ولغة الجسد وعشرات من ميزات الاتصال اللفظي وغير اللفظي الأخرى.

وأظهرت دراسة استمرت 10 سنوات في جوجل تسمى Project Oxygen أن الذكاء العاطفي مهم لنجاح المدير أكثر من معدل الذكاء أو المهارة التقنية.

الخلاصة الرئيسية: الذكاء العاطفي لا يقل أهمية عن أي "مهارة صعبة" والاستثمار فيه يساعد الأفراد والفرق على النجاح في العمل.