ردّ اللبنانيون بمختلف فئاتهم وتوجّهاتهم وأعمارهم على خطّة الطوارئ التي أعدّتها الحكومة، تحسّباً من أيّ عمل عدائي إسرائيلي، غير شاكرين معتبرين وكأنّها لم تكن. وبصرف النظر عن "نيّة" السّلطة، ومحاولتها القيام بشيء على طريقة "جود من الموجود"، فإنّ التصاعد الدرامي لمسلسل الانهيار الداخلي أثبت "عقم" المسؤولين عن القيام بأيّ شيء عملي. ولنا في "خطّة الإصلاح المالي والاقتصادي" دلائل على العجز المطلق عن تحويل الأقوال إلى أفعال.

قبل يومين استضاف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي وزيرا الصحّة والتربية لـ "سبر أغوار" قدرات وزارتيهما على مواجهة أيّ حرب محتملة. فلملم وزير الصحة كلّ الموارد المالية التي من الممكن تجييرها إلى وزارة الصحّة، فلم تتجاوز 15 مليون دولار. أمّا وزير التربية فقد قال إنّ تعطيل العام الدراسي يكلّف بحسب دراسة للبنك الدولي 2.3 مليار دولار. مقاربة بسيطة وسريعة تظهر أنّ الأموال تأتي بقطارة القروض والمساعدات وفتح الاعتمادات غير المدعومة بإيرادات وافية، فيما النفقات ستكون فيضاناً غير محدود.

أكثر ما يشغل بال أصحاب الأعمال والمستثمرين هو القدرة على الإعمار بعد الخراب، فيما لو حصلت الحرب

الاستشفاء والإعمار

من النّاحية الاقتصادية الصّرف، وبجلافة الأرقام ونشافتها، يشكّل الإنفاق على الاستشفاء وإعادة الإعمار الخاص والعام الجزء الأكبر من الكلفة المباشرة للحرب. وبحسب وزير الصحّة في حكومة تصريف الأعمال الدكتور فراس الأبيض فإنّ المتوفّر من تمويل يتمثّل بـ:

1000 مليار ليرة، أي ما يعادل 11 مليون دولار، عبارة عن اعتماد مستندي مفتوح من قبل الحكومة.

مساعدة بقيمة مليون دولار مخصّصة لمعالجة تداعيات كورونا جرى نقلها لدعم المستشفيات الحكومية.

قرضين من البنك الدولي (لم يحدّد قيمتهما) سُمح للوزارة باستخدام جزء منهما لدعم القطاع الصحي.

4 ملايين دولار عبارة عن أموال عالقة في وزارة المالية جرى تحويلها إلى المستشفيات.

وعليه لو جمعنا كلّ هذه الأرقام، فهي لا تؤمّن الصمود "الصحّي" لأيّام معدودة. أمّا في ما يتعلّق بكلفة إعادة الإعمار وتأهيل المؤسسات والبنى التحتية من جسور وطرقات ومحطّات وشبكات الكهرباء والمياه والاتّصالات، فهي متعلّقة بحجم الدمار. ولكن لو قسناها بحرب العام 2006 يتبيّن أنّ كلفة إعادة بناء الجسور والطرقات بلغت 70 مليون دولار. فيما كلّ موازنة وزارة الاشغال العامّة والنقل للعام 2024 تبلغ 63 مليون دولار، الجزء الأكبر منها يذهب إلى النفقات التشغيلية ويجب أن تكفيها لمدّة عام. كلفة إعادة تأهيل معامل الكهرباء وخزاناتها وشبكة النقل والمحطّات وصلت إلى 160 مليون دولار. ووصلت كلفة صيانة محطّات المياه وشبكات التوزيع إلى حدود 36.7 مليون دولار. وقد تأتّى الجزء الأكبر من الأموال من الهبات والمساعدات المحلّية والخارجية. وهذا ما لن يعاد تكراره نظراً لرزوح القطاع الخاص، بما فيه الأفراد، تحت ثقل الانهيار وسرقة أمواله ومدخّراته المصرفية. ولفقدان ثقة الحكومات العربية والأجنبية على حدّ سواء بلبنان الفاقد للشرعية الدستورية بعدم وجود رئيس للجمهورية وحكومة أصيلة متوافقة.

خطط إنشائية

لعلّ أخطر ما نواجه في حال اندلاع أيّ حرب مع كيان العدو الإسرائيلي هو إيهام المسؤولين المواطنين بإمكانية التحمّل، فيما كلّ ما هم قادرين عليه هو "صياغة النّصوص الانشائية بقدرة تطبيقية تعادل صفراً، أو حتّى أقلّ من الصفر"، يقول منسّق المرصد القانوني الدكتور جاد طعمه. فعندما يتمظهر غياب الدولة عن الأزمات الداخلية منذ العام 2019 والعجز على حماية حقوق المودعين (سُلبوا نحو 170 مليار دولار). وعندما يكون تصنيفنا بين الأوائل على سلّم مدرّكات الفساد، ونعجز عن التقدّم قيد أنملة بالإصلاحات، ولا نحاسب مخالف حتّى ولو كان برتبة موظّف، فإنّ "كلّ الحديث عن الخطط من قبل كلّ الوزراء فاقدة للمصداقية"، برأي طعمه. "ولا ثقة بأيّ شخص موجود في السّلطة التنفيذية أو التشريعية. فلو كانوا مسؤولين بحقّ، وحريصين على مصلحة البلد والمواطنين، لكانوا حرّكوا ساكناً في سنوات الانهيار الأربعة التي نعيشها، ولكانوا عملوا على استقامة الحياة الدستورية ووضعوا أولوية انتخاب رئيس للجمهورية ليكون هناك حكومة فاعلة وليس حكومة تصريف أعمال تبرّر تلكّؤها الدّائم، بعدم امتلاكها للصلاحيات".

القطاع الخاص يحذّر

لعلّ أكثر ما يشغل بال أصحاب الأعمال والمستثمرين هو القدرة على الإعمار بعد الخراب، فيما لو حصلت الحرب. فلبنان الغارق في خضمّ أزمة اقتصادية صنّفت من البنك الدولي كإحدى أشدّ ثلاث أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر، والخارج من انفجار مرفأه البحري الذي صنّف كأقوى انفجار غير نووي على مستوى العالم، والذي يكافح لمداواة تداعيات كورونا.. أعجز من أن يتحمّل حرباً إسرائيلية"، يقول نائب رئيس شبكة القطاع الخاص اللبناني جو عياش. "فلا مقوّمات صمود داخلية ولا علاقات خارجية متينة تجلب الدعم والمساعدات كما كان في العام 2006. الأمر الذي يُفقد لبنان إمكانية إعادة إعمار ما تهدّم". وعليه فإنّ وقوع الحرب في ظلّ تداعي القطاعات الداخلية من صحّية واستشفائية وتعليمية، وفقدان القدرة عن الاستيراد بسبب الحصار البحري والجوي، سيكون لها تداعيات كارثية. هذا فضلاً عن عدم امتلاك لبنان واللبنانيين لرفاه الوقت الذي تتطلّبه عملية إعادة التأهيل في حال سلّمنا جدلاً بالقدرة على تحمّل الأكلاف المادية. باختصار "لا يوجد اليوم في لبنان لا مقوّمات ولا إمكانيات"، وهذا هو مصدر الخوف من وجهة نظر عياش. من دون أن يعني ذلك بأيّ شكل من الأشكال عدم التصدي لأي عدوان، والوقوف صفاً واحداً للدفاع عن بلدنا فيما لو فرضت علينا الحرب، إنّما ليس أن ننجرّ لها بوعينا وإرادتنا رغم معرفتنا بالظروف الصعبة التي نعيشها".

في خضمّ التحضيرات الحكومية لعدوان محتمل، وتحذير القطاع الخاص من إنهاء الحرب ما تبقّى من لبنان، بقيت "سرقة العصر" غائبة عن هموم المسؤولين. وهو ما دفع بعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عدنان رمال إلى مطالبة المسؤولين بإيجاد "حلّ سريع لرفع سقف السحوبات من الحسابات المصرفية، لتمكين المواطنين من تأمين احتياجاتهم من مأكل ومسكن ومشرب في حال اضطرّوا أن يحضّروا للحرب أو نزحوا نتيجة الظروف".