"يتحمّل الفلسطينيون مسؤولية ما يحلّ بهم". جملة تتكرّر على لسان أكثر من مسؤول إسرائيلي تماماً كما تمّ الترويج لمقولة "أن الفلسطيني باع أرضه"، مقولة لم تنجح بنفيها صُوَر الفلسطينيين الذين تركوا بيوتهم متّجهين صوب الحدود، يحملون ما استطاعوا لملمته من حاجيات ظنّاً منهم أنّهم سيعودون إلى تلك الدار التي تركوها وتلك القرية والأهل والأقارب.

ماذا كانت تفعل فلسطين على الخريطة في تلك البقعة التي اختير لها أن تكون إسرائيل. لماذا يرفض أصحاب المنازل في القدس ترك بيوتهم التي توارثوها عن أجداد أجدادهم للوافدين الجدد من خلف البحار؟ لماذا يرفض الفلسطيني أن يتخلّى عن ملكية أرضه التي كانت إرث عائلته لصالح أميركي أو فرنسي أو غيره صادف أنّه ينتمي للديانة اليهودية فتمّ إغراءه ليترك بلاده ويأتي إلى الأرض الموعودة، حيث العمل والسكن والقروض والتسهيلات موجودة. يكفي أن يكون يهودياً وساعة يشاء الغرب يقول عنه أنّه إسرائيلي وساعة يشاء يتذكر جنسيته الأصليّة.

لماذا رفضت العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جرّاح في القدس، أن تقدم منازلها هدية للمستوطنين، ما اضطر السلطات الإسرائيلية التي تملك الحق في كلّ ما يملك الفلسطيني أن تعمد إلى طرد النساء والأطفال وكبار السن وإلى سجن الشبان الذين مانعوا وعارضوا وانتفضوا ضد اقتلاعهم من أرضهم. ألم يكن من الأفضل أن يغادروا بصمت؟ ماذا يعني وجود عملة تحمل اسم فلسطين منذ العام 1927 وحتى العام 1952، لماذا لم يتنبّأ أحد إلى أنّ الشيكل سيكون عملة هذه الأرض، كيف تجرّأ أحدهم على سكّ عملة باسم فلسطين؟

لماذا حملوا السلاح بوجه الجيش الإسرائيلي؟ لماذا لم يكتفوا بالموت وهم يرفعون غصن الزيتون كرمز للسلام تماماً كما حصل مع ياسر عرفات؟

وما نفع تلك الخرائط التي يعود تاريخها إلى مئات السنين وتحمل اسم فلسطين، طالما أنّ الانتداب قرّر أن يمنح البلاد وبالتقسيط للمستعمر الجديد وتحت مسمّى الاستيطان، وراحت خريطة فلسطين تتناقص شيئاً فشيئاً حتّى لم يعد منها سوى أطراف متباعدة وحان وقت تدميرها وقتل أهلها وتشريد من بقي منهم. غريب أمر هؤلاء ألا يرون كيف يعيش الفلسطينيون في المنفى الغربي، دعونا لا نفكر بمخيمات اللجوء في دول الجوار وننظر إلى الفلسطينيين الذين ابتلعهم الغرب، أصبحوا مواطنين يحملون جنسيات وجوازات سفر، يدرسون ويعملون، يعيشون في ظل القوانين الغربية كمواطنين متساويين بالواجبات، صحيح أنهم لا يتمتعن أحيانا بنفس الحقوق، وصحيح أنهم يتعرّضون دوماً للتمييز العنصري، وصحيح أنه ممنوع عليهم اليوم أن يتعاطفوا مع أقارب لهم يقتلون في مجازر جماعية، ولكنهم يعيشون في الغرب المتحضّر. لماذا لا يهاجر من يستطيع ويترك أرضه لمهاجر يهودي اختار دينه بدل هويته الوطنية أو يحملهما معاً بازدواجية غريبة لا يوجد مثيل لها سوى في إسرائيل.

لماذا حملوا السلاح بوجه الجيش الإسرائيلي؟ لماذا لم يكتفوا بالموت وهم يرفعون غصن الزيتون كرمز للسلام تماماً كما حصل مع ياسر عرفات؟ لكانوا وفّروا على دافعي الضرائب في الغرب ثمن الطائرات والمدافع الذخيرة وصواريخ القبّة الحديدية. وحتى لا نبالغ لا بأس كان يمكنهم أن يكتفوا برشق الحجارة ليأتي الردّ ببضع رشقات نارية تنهي المسألة. الإسرائيلي لا يريد الحرب، ليس رأفة بالفلسطينيين، بل لأنها مكلفة، فلماذا يرفضون الموت بسلام؟

مارس الإسرائيلي وعلى مدى سنوات طويلة، كلّ ما يستطيع لجعل حياة الفلسطيني أشبه بالجحيم. قتل، تهجير، تدمير، عقاب جماعي، حواجز، اعتقال، سجن، إذلال، تعذيب، إهانة معتقدات وتطول اللائحة وتطول ممارسات لا تخطر على بال أحد. وبقي الفلسطينيون ها هنا، العين التي قاومت المخرز طويلاً. لم يكن ليتصوّر أحد أن تستمر القضية بعد أن انفض من حولها أغلب داعميها. أشاحوا بنظرهم عنها وانشغلوا بشعارات السلام البرّاقة، وطلّة الرجل الأبيض البهية. ماذا فعلت غزة بنا جميعاً؟ لقد أعادت عقارب الساعة، بل الزمن وعقاربه إلى ذاك التاريخ الذي كان يجب أن ينتفض فيه العالم من أجل العدالة من أجل الحق، من أجل فلسطين. لا أحد يريد الحرب، لا أحد يريد الموت، ولكن كيف الوصول إلى عالم لا يموت فيه الفلسطيني، وهو النازح في وطنه على أيدي من اغتصبوا أرضه وهجّروه وسجنوه وعذبوه وهجّروه مراراً وتكراراً. لا أحد يريد الحرب، ولكن لا أحد يريد الموت أيضاً.

لم يعلم ذاك الرجل أنّه سيقف عاجزاً وهو ينتظر ابنه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. تلك الدموع التي حفرت وجنتيه بنار الغضب والحقد لن تعرف طريقاً إلى الطمأنينة والسلام إن لم تزهر الأرض أطفالاً كطفله. ما بينكم وبين ذاك الرجل والآلاف مثله ثأر لا بدّ من دفع ثمنه. أمّا أرض فلسطين فهي ستحصّل حقّها بنفسها، الفلسطينيون أبناء هذه الأرض وزارعيها وحصّاديها وهم زَرْعها وحصادها، وحين ترتوي الأرض بالدماء كن على يقين أنها ستنبت أبطالاً.