هي 22 سنة انقضت على "طيّ صفحة سوداء" من تاريخ لبنان بعدما أرسى البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير "مصالحة الجبل" في آب 2001، والتي أنهت تاريخاً تخلّله تقاتل وتهجير دفع خلالها المسيحيون أكثر من غيرهم في الجبل فاتورة كبيرة إبان الحرب الأهلية. وها هي زيارة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي المقررة يوم غد الجمعة، تأتي في التوقيت الصحيح للتأكيد والتشديد على أهمية استمرار هذا النوع من المصالحات وضخّ الأوكسيجين في عروقها، في ظلّ ما يشهده لبنان من قطوعات سياسية وأمنية وإقتصادية خانقة تحتاج وبطريقة مُلحّة إلى أكثر من مصالحة وعلى أكثر من جبهة.

وبينما تتفاوت أهميّة المصالحات من وجهة نظر كلّ فريق سياسي، تبقى أهمّها في ما لو حصلت، المصالحة المسيحية - المسيحية التي ستنهي حتماً الفراغ الرئاسي، لأنّ العرف اللبناني السائد يُحتّم أن يكون رأس السلطة مسيحياً ومارونياً تحديداً، وأياً كان اسم الرئيس المقرّر من قبل أقطاب الطائفة الواحدة المعنيّة فإنّ أحداً لن يتمكّن بعدها من فرض أو دعم أيّ اسم خارج التوافق المسيحي، على غرار ما يحصل على صعيد رئاسة مجلس النواب والذي من خلاله تقطع الطائفة الشيعية بتوافقها على شخص الرئيس نبيه برّي أيّ محاولة لأيّ فريق سياسي حتّى التفجير في دعم أيّ مرشح آخر.

أمّا المصالحات الأخرى التي يتمنّاها المواطن اللبناني فهي مصالحته مع دولته، التي بات ينظر إليها بعين الضحية، وهي الجلاد الذي سلبه "تحويشة العمر" وجعله يواجه مصيره من دون أدنى مقوّمات العيش الكريم بدءاً من التأمين الصحي والكهرباء وصولاً إلى تقاضيه راتباً أو معاشاً تقاعدياً بالكاد يشبع "أولاده" الخبز.

"شكلها مطولة" وعلاقة القوات بالإشتراكي "عادي"

ومن يملك حدث الاستشعار الإقليمي والدولي عن بعد هوالنائب السابق وليد جنبلاط وصاحب الباع الطويل في التقاط ذبذبات الأحداث الدولية والإقليمية وفكّ شيفرة تأثيرها على الوضع اللبناني، يرى بأنّ الأزمة الرئاسية اللبنانية "شكلها مطوّلة"، وقد لا نبالغ إذا ما قلنا إنّ بعض حلفائه وحتى خصومه ينتظرون ما تلتقطه رادارات المختارة لبناء بعضاً من مواقفهم على أساس إحداثياتها.

وتعلّق مصادر كتلة اللقاء الديموقراطي على كلام زعيم المختارة قائلة: "حسب السقوف العالية التي نسمعها أخيراً بين كلّ الفرقاء المعنيين على الأقلّ، يبدو أنّها للأسف "مطوّلة"، لأنّ التقارب والبحث عن قواسم مشتركة بين القوى السياسية حول الملفّ الرئاسي لم تنجز بالإضافة إلى غياب جدّيّ للحوار الفاعل".

حركة الموفدين الدوليين إلى لبنان "بلا بركة"

وتعتبر المصادر نفسها أنّ حركة الموفدين الدوليين إلى لبنان "بلا بركة"، لطالما أنّ أرضيّة الحلول ما تزال هشّة حتّى الساعة، مكتفية بالتعليق على زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان وسلوكه نهج الحوار في ظلّ المبادرة التي طرحها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، بالقول: "خطان متوازيان، وفي ظلّ التغييرات الإقليمية والدولية فلبنان تفصيل، والاستحقاق ليس أولوية عند الخارج لطالما أنّه ليس أولويّة لبنانية".

وتشدد على أنّ "المطلوب اليوم الانفتاح أكثر والحوار أكثر بغضّ النظر عن شكل الحوار، لمحاولة تأمين أرضية وطنية صلبة لانجاز هذا الإستحقاق بمساعدة اللجنة الخماسية"، مؤكّدة على موقف التقدّمي الثابت من الحوار من قبل مبادرة بري، "نحن مع أي حوار في الشكل والمضمون قادر أن ينجز انتخاب رئيس".

كذلك، توضح المصادر أن ليس لديها أيّ شروط للمشاركة في حوارٍ ليس محكوماً بمواقف وشروط مُسبقة، مضيفة: "الحوار يعني الجهوزية للتنازل من قبل الجميع وليس فريق واحد"، فيما ترفض التكهن بنسبة نجاح مبادرة بري.

وتجيب عن سؤال في ما لو دعا بري غداً إلى جلسة انتخاب رئيس للجمهورية من هو الإسم الذي سيضعه أعضاء كتلة اللقاء الديموقراطي في الصندوق؟، متابعة: "مبدئياً، ملتزمون حتّى هذه اللحظة بالتقاطع على اسم وزير المال الأسبق الوزير جهاد أزعور وقد يسبق ذلك نقاش مع الذين تقاطعنا معهم في السابق".

أمّا عن علاقة الحزب التقدمي الاشتراكي بحزب القوات اللبنانية اليوم، فتصفها المصادر بالـ"عادي"، وترى أنّ موقف رئيس حزب القوات سمير جعجع من الحوار يقع في دائرة التمايز الذي يحترمه الإشتراكي، لافتة إلى أنّ التواصل مستمرّ بين القوات والاشتراكي.

هذه الزيارة لتثبيت المصالحة التاريخية التي قام بها البطريرك صفير

من جهة ثانية، تؤكَّد مصادر الحزب التقدمي الإشتراكي على أهمّيّة خطوة الراعي، خاتمة: "هذه الزيارة لتثبيت المصالحة التاريخية التي قام بها البطريرك صفير من أجل طيّ صفحة الماضي ومآسيها وتثبيت الاستقرار في الجبل خارج الحسابات السياسية الصغيرة بمعطى وطني كبير".

والبرنامج المقرّر لزيارة الراعي إلى الجبل لن يكون بنفس تخمة برنامج الراحل صفير عام 2001، حيث ستقتصر على زيارة شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي ابي المنى في بلدة "شانية" صباحاً ومن ثم يتوجه قطبا الطائفتين إلى دار المطرانية في بيت الدين وسيكون في استقبالهما عدد من رؤساء البلديات والمخاتير والكهنة والأهالي، وبعدها إلى بعقلين. أما بعد الظهر فيقام على شرف الضيوف غداء في "المختارة" وهذا ما يكاد يكون المحطة الأهم في الزيارة، إذ يتوقع مراقبون بأن يحلّ الحديث عن مسألة الشغور الرئاسي طبقاً رئيساً على مائدة المختارة.

وفيما سيرأس الراعي قداساً مسائياً في دارة المطرانية في بيت الدين، يختتم زيارته بعشاء يقيمه النائب السابق نعمة طعمة على شرفه وشرف المطارنة والكهنة في قصر المير أمين.